النهار
بقلم : راضي غربي العنزي
ليست الحياة فقيرة كما نظن، نحن الذين نمرّ عليها بأعينٍ مشغولة بما ينقصنا، فلا نرى ما أودع الله في أيامنا من نعمٍ صامتة. نعدّ ما فقدناه بدقة، وننسى أن نشكر الله على ما أبقاه لنا؛ ننتظر الغد كأنه يحمل خلاصنا، بينما قد يكون الخير كله جالسًا بهدوء في تفاصيل يومنا العادي. والشكر ليس ترفًا روحيًا ولا كلمة تُقال عند الفرح، بل وعيٌ عميق بأن وراء كل نعمة ربًا كريمًا، وأن الإنسان كلما عرف فضل الله عليه، اتسعت في داخله مساحة الرضا، وصغر في عينه ما كان يظنه كبيرًا من الهموم.
هناك أناس لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد أن يفقدوها، وكأن الإنسان لا يتعلم قراءة الأشياء الجميلة إلا حين تتحول إلى ذكريات. يملك صحته فيتذمر من يومه، ويملك أهله فينشغل عنهم، ويملك بيتًا يأويه فيبحث عن قصر، ويملك قلبًا قادرًا على الحب فيتفرغ للشكوى من الذين لم يحبوه كما يريد. ثم إذا ضاقت به الحياة، جلس يعدّ خساراته واحدةً واحدة، ونسي أن يفتح دفترًا آخر اسمه: «ما أبقاه الله لي».
وهنا تأتي الآية كأنها صفعة لطيفة على وجه الغفلة: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
إنها ليست جملة وعظية عابرة، بل وعدٌ رباني يعلّم الإنسان كيف يرى حياته بعين مختلفة. الشكر ليس أن تقول «الحمد لله» بلسانك ثم تعيش ساخطًا على كل شيء، وإنما أن تعرف أن الله هو المنعم، وأن ما عندك من خير فمن فضله، وأن قلبك حين يحمد الله لا يزداد كلامًا فقط، بل يزداد وعيًا وطمأنينةً ونضجًا.
والعجيب أن بعض الناس يتعاملون مع النعمة كما يتعامل الطفل مع لعبة جديدة؛ يفرح بها يومين، ثم يطالب بأخرى، ثم ثالثة، حتى يصبح ما كان حلمًا بالأمس شيئًا عاديًا اليوم. ولو أعطيت أحدهم صباحًا بلا ألم، وبيتًا بلا خوف، وأمًا تسمع صوته، وأبًا يبتسم له، وصديقًا صادقًا، ورغيفًا حلالًا، لربما قال بعد دقائق: «وماذا بعد؟».
يا لهذا الإنسان! يستطيع أن يحوّل الوفرة إلى فقر، لا لأن ما حوله قليل، بل لأن عينه لا تعرف النظر إلا إلى الناقص.
وقد قال رسول الله ﷺ: «مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله». رواه الترمذي. فالشكر في الإسلام ليس حالة فردية منعزلة، بل أخلاق تمتد إلى الناس؛ أن تعرف فضل من أحسن إليك، وأن تحفظ الجميل، وأن تقول كلمة طيبة لمن وقف معك، وأن تكون أنت أيضًا سببًا في زيادة الخير في حياة الآخرين.
وفي تاريخ المسلمين نماذج كثيرة لمن فهموا أن النعمة مسؤولية قبل أن تكون متعة. ومن ذلك ما عُرف عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله من شدة إحساسه بحق الناس، حتى صار العدل عنده شكرًا عمليًا لما أنعم الله به عليه من ولاية ومسؤولية. لم ينظر إلى السلطة باعتبارها امتيازًا شخصيًا، بل أمانة يُسأل عنها، فكان همه أن يرد الحقوق ويقيم العدل ويصون أموال المسلمين.
وهذه هي المفارقة التي لا ينتبه إليها كثيرون: نحن نبحث عن الزيادة في المال، بينما قد تكون الزيادة الحقيقية في أثر الإنسان. قد يزيد الله مالك فلا تصبح أغنى، وقد يزيد علمك فلا تصبح أعلم، وقد يزيد عمرك ولا تصبح أحكم؛ لكن حين يزيدك الله قلبًا شاكرًا، فإن الأشياء الصغيرة تبدأ في استعادة عظمتها.
كان سينيكا يرى أن الفقر الحقيقي ليس في قلة الممتلكات، بل في عدم القناعة، بينما ارتبطت فلسفة إبيكتيتوس بفكرة أن قيمة الإنسان تتحدد بطريقة تعامله مع ما يقع في يده، لا بمجرد امتلاكه للأشياء. وكان ماركوس أوريليوس شديد التأمل في فضيلة الامتنان، وفي أن يعيش الإنسان واعيًا لما مُنح له من فرص للخير والعمل. وفي هذه الحكم معنى يلتقي مع جوهر إيماني أعظم: أن الإنسان لا يملك النعمة استقلالًا عن خالقها، وإنما يستمتع بها بفضل الله ورحمته.
لكن الإسلام يذهب أبعد من الحكمة البشرية؛ فهو لا يجعل الشكر مجرد تمرين نفسي لتحسين المزاج، بل يربطه بتوحيد الله وتعظيمه وتنزيهه؛ لأن الله وحده هو المنعم الحقيقي، لا شريك له، ولا ند له، وهو سبحانه الغني عن خلقه، والخلق جميعًا فقراء إلى فضله.
ومن هنا يصبح الشكر موقفًا فلسفيًا وإيمانيًا في آن واحد.
أن تستيقظ وأنت تقول: الحمد لله، يعني أنك بدأت يومك من مكان مختلف. أن ترى العافية فتشكر الله قبل أن تبحث عن النقص، وأن ترى الأسرة فتدعو الله أن يحفظها، وأن ترى العمل فتشكر الله على الرزق، وأن ترى بابًا أُغلق فتؤمن أن الله لا يفعل شيئًا عبثًا، وأن تتأخر عن أمنية فلا تتحول إلى خصم للحياة.
الشاكر لا يعني أنه لا يتألم، بل يعني أنه لا يسمح للألم أن يعميه عن النعم.
وهذه وحدها بطولة اجتماعية نادرة.
فكم من إنسان يملك نعمة يتمنى ملايين الناس ربعها، ومع ذلك يعيش كأنه خرج للتو من سجن! وكم من إنسان قليل المال، كثير الابتلاء، لكنه يبتسم من قلبه لأنه يعرف أن له ربًا كريمًا، لا تضيع عنده دعوة، ولا يخفى عليه وجع، ولا يغيب عنه عبد.
ولعل أجمل ما في الشكر أنه لا يحتاج إلى ثروة. تستطيع أن تشكر الله على كوب ماء، وعلى لقمة، وعلى أم تسأل عنك، وعلى طفل يركض نحوك، وعلى نافذة يدخل منها الضوء، وعلى فرصة جديدة بعد خطأ قديم، وعلى قلب ما زال قادرًا على التوبة.
إنها أشياء تبدو صغيرة في أعين المتعجلين، لكنها عند الله قد تكون أبوابًا عظيمة من رحمته.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
فالقلة هنا ليست في النعم، وإنما في الذين يعرفون قدرها.
وليس أكثر سخرية من إنسان يشكو من قلة الحظ، بينما يقضي نصف يومه في عدّ نعم الآخرين!
الشكر أن تنزل من مدرج المقارنة، وتعود إلى مقعد حياتك. أن تتوقف عن سؤال الناس: ماذا عندهم؟ وتسأل نفسك: ماذا أعطاني الله؟ وأن تعرف أن رزقك لا يصبح أجمل حين تشبه غيرك، بل حين تعرف قيمة ما بين يديك.
ربما لا نحتاج في نهاية كل يوم إلى أن نسأل: ماذا أعطتني الحياة؟ بل أن نسأل: كم نعمة مررت بها ولم أشكر الله عليها؟ فالله سبحانه لا يحتاج إلى شكرنا، ونحن الذين نحتاج إلى الشكر؛ لأنه يعيد ترتيب أرواحنا، ويحررنا من جشع المقارنة، ويجعلنا نرى ما بين أيدينا قبل أن نطارد ما في أيدي الآخرين. وحين يستقر في القلب أن الله واحد لا شريك له، وأن النعم كلها من فضله، يصبح الحمد أكثر من كلمة، ويصبح طريقة حياة. عندها فقط نفهم وعد الله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾؛ فالزيادة ليست دائمًا في الأشياء، بل قد تكون في القلب الذي عرف قيمة الأشياء، وفي الروح التي وجدت غناها بالله.