النهار

٢٢ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ أغسطس-٢٠٢٦       5335

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

نفرح، فنقول: «انشرح صدري»، ونخاف فنقول: «ارتجف قلبي»، ونرتاح فنقول: «وكأن حملاً أزيح عن كتفي». لكننا نادرًا ما نسأل: ماذا يحدث داخلنا حين تتبدل مشاعرنا؟

 

خلف هذه التجربة الإنسانية اليومية عالمٌ دقيق من الإشارات العصبية والهرمونية؛ ومن مفاتيحه: الدوبامين، والإندورفين، والكورتيزول.

 

الدوبامين ناقل عصبي يرتبط بالدافع، والتعلّم من المكافأة، وتوقّعها. لذلك تأتي النشوة حين نحقق هدفًا طال انتظاره، أو نحصل على مكافأة، أو نقترب من شيء نريده.

 

وتداول الأسهم مثال حي: إذا كسبت شعرت بالنشوة، وإذا خسرت شعرت بالرعشة. فالرقم على الشاشة لا يفرح ولا يخاف، لكن الدماغ يمنحه معنى؛ فيستجيب للمكسب بالمكافأة، وللخسارة بالقلق.

 

وهذا لا يحدث في السوق وحده؛ فالترقية، والنجاح، والمدح، والإعجاب، والفوز، وحتى إشعار يصل إلى الهاتف، قد يمنح الإنسان جرعة من الإحساس بالمكافأة.

 

وهنا السؤال السلوكي: ماذا نعلّم عقولنا أن تطارد؟

 

ثم يأتي الكورتيزول، وهو هرمون أساسي في استجابة الجسم للضغط. ليس عدوًا للإنسان؛ بل نحتاجه، لكن استمرار التوتر قد يجعل الجسد والعقل في حالة استنفار مرهقة.

 

تأمل شخصًا يثقل كاهله الدين، أو ينتظر راتبًا، أو يخشى فقدان عمله. ثم يأتي الانفراج: يُسدَّد الدين، يصل الراتب، أو يأتي الخبر الذي كان ينتظره؛ فيقول: «كأنني وُلدت من جديد.»

 

لم يتغير العالم كله؛ الذي تغير هو الإحساس بالخطر.

 

ومن هنا تبدو العبارة الشعبية: «الدراهم كالمراهم». فالمال ليس دواءً، لكنه قد يزيل سببًا حقيقيًا للقلق، فينعكس زوال الضغط على النفس والجسد.

 

أما الإندورفينات، فهي مواد ينتجها الجسم طبيعيًا، ولها دور في تعديل الألم والشعور بالراحة. ولذلك قد يعود الإنسان من المشي أو الرياضة أكثر صفاءً، رغم أن جسده بذل جهدًا.

 

لكن لا ينبغي اختزال الإنسان في هذه المصطلحات؛ فليس كل فرح دوبامين، ولا كل توتر كورتيزول، ولا كل راحة إندورفين. الإنسان أعقد من كيميائه، لكنه يستطيع أن يفهم نفسه من خلالها.

 

وهنا تتحول المعرفة الطبية إلى ثقافة سلوكية.

 

إذا كانت عقولنا تستجيب للمكافأة، فلنسأل: بماذا نكافئ أنفسنا؟

وإذا كان الضغط يستنزفنا، فلنسأل: ما الذي يستحق أن نقلق من أجله؟

وإذا كانت الراحة ضرورة، فلنسأل: هل نرتاح حقًا، أم نهرب فقط من ضغوطنا؟

 

قد يمنحنا المال راحة، لكن لا يمنحنا السكينة بالضرورة. وقد يمنحنا النجاح نشوة، لكنه لا يضمن الرضا. وقد يكون المدح جميلًا، لكن من يربط قيمته بألسنة الناس يصبح أسيرًا لها.

 

لذلك فالنضج ليس أن نمنع مشاعرنا، بل أن نفهمها قبل أن تقودنا.

 

الدوبامين يسألنا: ماذا تطارد؟

والكورتيزول يسألنا: ممَّ تخاف؟

والإندورفين يذكّرنا: كيف يتعامل جسدك مع الألم والجهد؟

 

أما السؤال الأهم، فهو: هل نحن الذين نقود سلوكنا، أم أن مشاعرنا تقودنا؟

 

فالإنسان ليس مجرد كيمياء؛ لديه عقل يراجع، وإرادة تضبط، وقيم تهدي.

 

وقد يكون الإنسان أذكى حين يعرف أن وراء كثير من تصرفاته قصةً كيميائية، لكنه يصبح أحكم حين يدرك أن الكيمياء تفسّر بعض سلوكه، ولا تعفيه من مسؤولية اختياره.

 

فالجسد يتحدث بلغة الكيمياء، والنفس بلغة الشعور، والعقل بلغة الاختيار؛ وحين تتناغم الثلاثة، يبدأ الإنسان في فهم نفسه… وقيادة حياته.