الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ أغسطس-٢٠٢٦       2310

بقلم - عبدالناصر بن علي الكرت 

ليست الأسواق القديمة مجرد أماكن للبيع والشراء، فبعضها يتحول مع الزمن إلى ذاكرةٍ حيّة تختزن ملامح المجتمع، وتروي شيئاً من تاريخه، وتكشف عن مستوى حضارته وتنظيمه وصلاته بمحيطه. ومن هذه الأسواق التي تستحق أن تستعيد حضورها ومكانتها سوق رغدان التاريخي، الذي كان واحداً من أبرز أسواق المنطقة الجنوبية، احتل منزلةً مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لقبيلتي غامد وزهران وما جاورها. فقد كان مسرحاً للحياة وملتقى للطرق ومرآةً للمجتمع وشاهداً على تحولات التاريخ.

حيث تشير روايات الرحالة والمصادر التاريخية إلى أن سوق رغدان كان يُعد السوق الرسمي لبلاد غامد، وهي منزلة لا يبلغها سوق عابر وإنما يصنعها الموقع ويكرّسها الأمن ويمنحها الناس حضورها. فقد كان السوق مقصداً للمتسوقين من جهات متعددة، بما عُرف به من وفرة المعروض وتنوع السلع، واتساع الحركة التجارية والاجتماعية التي كانت تدور في رحابه.

ولم يكن أمن السوق أمراً هامشياً في ذلك الزمن، فقد عُرف بنظام دقيق تحكمه «عقود السوق»، بما تضمنته من قواعد تحفظ الحقوق وتنظم التعاملات وتضبط العلاقة بين المتبايعين والمترددين عليه. ومن هنا تبدو صورة السوق أكثر اكتمالاً كمكان للتجارة، وفي الوقت نفسه منظومة اجتماعية لها أعرافها وهيبتها ونظامها.

وزاد موقعه بين غامد وزهران من أهميته، فكان نقطة التقاء تتقاطع عندها المصالح والطرق والعلاقات، ويجتمع فيها الناس من بيئات ومواقع مختلفة من السراة وتهامة والبادية، فيتبادلون السلع والأخبار والمعارف، ويعودون إلى ديارهم محملين بما اشتروه وما سمعوه وما شهدوه.

ولرغدان في ذلك كله ميزة أخرى، فقد كانت محطة رئيسة في طريق الحج القادم من اليمن قديماً، وهو ما منح السوق بعداً يتجاوز وظيفته التجارية إلى أفق إنساني وثقافي أوسع. وكان نشاطه في تلك المواسم يستمر لمدة ثلاثة أيام متواصلة، فتتحول القرية إلى حركة لا تهدأ، ويصبح السوق ملتقى للحجاج وأهالي المنطقة، تتلاقى فيه اللهجات والعادات والأخبار، وتتشكل في فضائه صورة مصغرة من ذلك العالم الذي كانت القوافل تصل بين أطرافه.

ولم يكن اختيار موقع السوق عفوياً، فقد كان يتوسط القرية، وتؤدي إليه إثنا عشر طريقاً من جهات مختلفة، في مشهد يكشف عن وعي عمراني وتنظيمي جدير بالتأمل. فالطرق لم تكن مجرد ممرات تصل الناس بالسوق، بل كانت شرايين تصب في قلب المكان، وتؤكد مركزيته ودوره في حياة القرية ومحيطها.

وحين نتحدث عن سوق رغدان، فإننا لا نستطيع أن نفصله عن رغدان نفسها، تلك القرية التي كانت من أكبر قرى المنطقة وأكثرها حضوراً، ولم تكن هامشاً على خارطة التاريخ، بل كانت مركزاً ذا وزن اجتماعي وسياسي، ارتبط بمراحل مختلفة من تاريخ المنطقة وبعض الكيانات السياسية التي تعاقبت على حكمها.

وفي هذه الأرض مرّ التاريخ ثقيل الخطى، ووقعت أحداث تركت أثرها في الذاكرة المحلية. ومن أبرزها المواجهات التي شهدتها المنطقة بين رجال القبيلتين والقوات العثمانية، وما انتهت إليه من مقتل المتصرف وعدد من القيادات، لتبقى تلك الوقائع شاهداً آخر على أن رغدان لم تكن مجرد مكان للسكن أو التجارة، وإنما كانت جزءًا فاعلاً من المشهد التاريخي للمنطقة.

ثم يأتي التراث العمراني ليضيف إلى رغدان طبقة أخرى من الجمال والقيمة. فالأحياء القديمة، بكتلها العمرانية المتقاربة، ومبانيها الحجريّة المتناسقة، تكشف عن براعة الإنسان المحلي في بناء بيئته بما يلائم تضاريس المكان ومناخه واحتياجاته، وفي الوقت نفسه يمنحها جمالاً خاصاً لا يمكن استنساخه في العمارة الحديثة.

فتلك المباني ليست حجارة صامتة، بل صفحات من كتاب المكان. كل جدار فيها يحمل أثر يدٍ بنت، وكل نافذة تطل على زمن مضى، وكل مسراب يختزن خطى أجيال عاشت هنا وتركت شيئاً من روحها في تفاصيل المكان.

ولهذا فإن إعادة تأهيل المباني التاريخية في رغدان ليست ترميماً لجدران قديمة فحسب، وإنما هي ترميم للذاكرة نفسها، وحماية لجزء أصيل من هوية المنطقة، وإبقاء لجسر يصل الماضي بالحاضر والأجيال القادمة.

ومن هنا تأتي أهمية الجهود المبذولة لإحياء سوق رغدان وإعادة تقديمه، فإحياء الأسواق التاريخية لا يعني إعادة الماضي بحذافيره، وإنما يعني أن نستخرج من الماضي قيمته، ونمنحه حياة جديدة تتناسب مع الحاضر، بحيث يتحول التراث من ذكرى محفوظة إلى تجربة حية، ومن مبانٍ صامتة إلى وجهة ثقافية وسياحية نابضة.

وقد أكدت الفعاليات والبرامج التي شهدتها رغدان خلال موسم الصيف الحالي، وما سبقها من فعاليات، أن المكان لا يزال يمتلك قدرته على استقطاب الناس حين تُفتح أمامه أبواب الحياة. وما قامت به جمعية التنمية والخدمات الاجتماعية برغدان من برامج ومبادرات، بدعم من مقام إمارة المنطقة ومتابعة أمانة المنطقة وهيئة التراث، وجهد مباشر من شيخها الفاضل هاشم بن عبدالرحمن آل عدنان ومساندة النماذج المضيئة من أهل القرية يمثل صورة مشرقة للتعاون في سبيل إحياء المكان وإبراز قيمته.

ولعل الإقبال الكبير من المقيمين والمصطافين والسياح لزيارة القرية ومشاهدة الفعاليات يحمل رسالة واضحة بأن الإنسان المعاصر، رغم كل ما حوله من مظاهر الحداثة، لا يزال يحن إلى المكان الذي يحكي له شيئاً عن نفسه، ويبحث عن تجربة يرى فيها التاريخ والطبيعة والإنسان مجتمعين في مشهدٍ واحد.

وتزداد هذه الفرصة اتساعاً لقرب رغدان من منتزه رغدان، الذي يعد من أجمل وأبرز المتنزهات الطبيعية في المملكة، فتجاور الطبيعة الفاتنة مع القرية التراثية والسوق التاريخي يتيح إمكانية تكوين وجهة متكاملة، تتجاور فيها روعة الطبيعة مع عراقة التاريخ، وجمال العمران مع دفء الذاكرة.

إن رغدان لا تحتاج إلى تاريخ يُصنع لها، فتاريخها موجود في السوق وفي طرقها القديمة وفي عمرانها وفي ذاكرة أهلها، وفي الأحداث التي مرت بها. لكنها تحتاج إلى أن يُقرأ هذا التاريخ قراءةً جديدة، وأن يُصان ما بقي منه، وأن يُقدّم للأجيال والزوار بلغة العصر، دون أن يفقد روحه وأصالته.

فإحياء سوق رغدان ليس استعادةً لسوق قديم فحسب، وإنما استعادة لجزء من روح المكان، وإحياءٌ لذاكرة قريةٍ كانت يوماً قلباً نابضاً بالحياة، لتعود اليوم بثوب جديد، شاهدةً على أن التراث حين يُصان لا يبقى أسير الماضي، بل يصبح طريقاً إلى المستقبل.

وسوق رغدان، في النهاية، ليس مجرد سوقٍ كان هنا ثم مضى، بل أثرٌ بقي وذاكرةٌ لم تنطفئ وصفحةٌ من تاريخ الباحة ما زالت تنتظر أن تُقرأ بما يليق بها. وأن تجد كل العناية والاهتمام من جميع جهات الاختصاص.

 

alnasser1956@hotmail.com