الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ أغسطس-٢٠٢٦       2420

بقلم:د.سعود عقل 

 

لم تعد السياسة الخارجية في العقد الحالي تُقاس بعدد الاتفاقيات الأمنية، ولا بحجم الترسانات العسكرية، بقدر ما تُقاس بقدرة الدول على تحويل نفوذها الاقتصادي إلى قوة سياسية، وتحويل الاستثمارات إلى أدوات استقرار، وتحويل المصالح المشتركة إلى ضمانات للأمن. هذه هي القاعدة الجديدة التي يعاد على أساسها تشكيل النظام الدولي، ويبدو أن الشرق الأوسط بدأ يدركها أكثر من أي وقت مضى. فعلى امتداد عقود، كانت المنطقة تُعرّف بأنها مسرح للصراعات، وميدان لتصفية الحسابات الدولية، وخزان للطاقة تتحرك إليه القوى الكبرى كلما اهتزت الأسواق. غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة؛ فبدلاً من أن تكون المنطقة مجرد ساحة للتنافس، بدأت تتحول تدريجياً إلى شريك في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية، مستندة إلى ثقلها الاقتصادي وموقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة. ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو أن مفهوم القوة نفسه تغير. فالقوة لم تعد تعني القدرة على كسب الحرب فقط، بل القدرة على تجنبها. ولم تعد تُقاس بحجم الإنفاق العسكري وحده، وإنما بقدرة الدولة على حماية اقتصادها، وجذب رؤوس الأموال، وتطوير بنيتها التقنية، وصناعة بيئة مستقرة تمنح المستثمر الثقة، وتمنح المواطن فرصاً أوسع للنمو والازدهار.في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها مثالاً لتحول استراتيجي يتجاوز حدود الإصلاح الاقتصادي الداخلي. فرؤية السعودية 2030 لم تكن مشروعاً تنموياً فحسب، بل أصبحت إطاراً يعيد تعريف علاقة المملكة بالعالم. فكل مشروع اقتصادي كبير، وكل استثمار نوعي، وكل مبادرة لوجستية أو سياحية أو تقنية، ينعكس بصورة مباشرة على مكانة المملكة السياسية، ويمنحها أدوات تأثير تتجاوز الأدوات التقليدية.وليس من قبيل المصادفة أن تتزايد أهمية المملكة في ملفات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستثمار العالمي، والوساطات الإقليمية. فالدبلوماسية الاقتصادية لا تقوم على الشعارات، بل على بناء المصالح المشتركة، لأن الدول تحرص بطبيعتها على حماية ما تستثمر فيه، وما تعتمد عليه، وما يحقق لها الاستقرار. ومن هنا، لم يعد أمن البحر الأحمر والخليج العربي قضية إقليمية فحسب، بل أصبح قضية اقتصادية عالمية. فكل اضطراب في هذه الممرات ينعكس فوراً على التجارة الدولية، وتكاليف الشحن، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد. وهذا يفسر لماذا بات الحفاظ على أمن الملاحة مسؤولية تتجاوز حدود المنطقة، وتمثل مصلحة مشتركة لكثير من دول العالم. غير أن الدبلوماسية الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحل محل الحلول السياسية للنزاعات. فالقضية الفلسطينية، على سبيل المثال، ستظل معياراً رئيسياً لاستقرار المنطقة. ولا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر إذا بقيت جذور الصراع دون معالجة عادلة وفق القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة. فالاقتصاد يفتح الأبواب، لكنه لا يغلق ملفات النزاع إذا بقيت أسبابها قائمة.وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة سباقاً جديداً لا يقل أهمية عن سباقات النفوذ التقليدية، وهو سباق التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. فالدول التي تستثمر في المعرفة والابتكار ستكون الأقدر على حماية مصالحها وتعزيز استقلال قرارها، لأن النفوذ في المستقبل لن يُصنع في ميادين القتال وحدها، بل في مراكز الأبحاث، والجامعات، والشركات التقنية، والموانئ الذكية، وشبكات البيانات.إن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط تؤكد أن المنطقة لم تعد تقبل أن تكون موضوعاً للسياسات الدولية، بل تسعى لأن تكون شريكاً في صناعتها. وهذا التحول يتطلب استمرار الاستثمار في الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير المؤسسات، لأن الاقتصاد القوي لا يقوم على الموارد وحدها، بل على الحوكمة والكفاءة والاستقرار.

ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا المسار في عالم سريع التقلب. فالتنافس بين القوى الكبرى، والتغيرات في الاقتصاد العالمي، والأزمات الجيوسياسية، جميعها عوامل قد تعيد إنتاج التوترات إذا لم تُدار بحكمة. وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها وسيلة لتقليل المخاطر، لا مجرد أداة لتعظيم المكاسب.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي جعلت من الاقتصاد ركيزة لسياستها الخارجية استطاعت أن تبني نفوذاً أكثر رسوخاً وأطول عمراً من النفوذ القائم على القوة الصلبة وحدها. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يقدمه الشرق الأوسط اليوم: أن الاستثمار في التنمية، وبناء الشراكات، وتعزيز المصالح المشتركة، أصبح الطريق الأقصر إلى الأمن والاستقرار.ففي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من أدوات الردع فقط، بل بما تمتلكه من قدرة على صناعة المستقبل. ومن ينجح في الجمع بين الاقتصاد الفاعل، والدبلوماسية الحكيمة، والرؤية بعيدة المدى، لن يكون مجرد متأثر بالتحولات الدولية، بل سيكون أحد صانعيها.