الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ أغسطس-٢٠٢٦       10670

بقلم ـ غازي العوني

كان الرصيف امتدادًا للصبر، وكرسي الانتظار شاهدًا على ليالٍ طوال جلس فيها إنسان يحمل في حقيبته خريطة قديمة، خطّها الحلم بيد مرتعشة منذ زمن.

لم تكن رحلته متصلة. كانت تأتي بين فترة وأخرى كأنها تتنفس. يُقبل القطار فيعبر، ويذهب الناس في شؤونهم، ويبقى هو. لا يائسًا ولا عجلاً، فقط أمينًا على وعد قطعه مع نفسه.

 

وفي ليلة غسلها المطر تقاطر الماء على حافة الرصيف كأنه يمحو غبار الأعوام. جلس يتأمل الانعكاسات، فرأى وجهه في البركة صغيرًا كما كان، وفيه ذلك البريق الذي لم ينطفئ. همس المطر في سره: أما آن لك أن تمضي؟ فأجاب في قلبه: أمضي حين أكون مستعدًا، لا حين يمر القطار.

 

ثم جاءت صفارة من داخله، خافتة في أولها ثم ارتفعت حتى غطت ضجيج المحطة كلها: انهض. 

فنهض. لم يبحث عن عربة ولا عن تذكرة. حمل حقيبته ومشى على حافة السكة. خطوة، ثم أخرى. ومع كل خطوة كانت الخريطة في قلبه تستقيم، كأن الطريق نفسه يعيد رسمها.

 

هناك فهم أن المحطات ليست غايات، وأن التأجيل ليس موتًا للحلم، وأن بعض الرحلات لا تُقطع بقوة الدفع بل بثبات النية.

 

ومنذ ذلك الحين صار يزور الرصيف أقل. يضع الحقيبة، يمسح الغبار عن أطراف الخريطة، ثم يمضي في صمت. 

لم يعد ينتظر صوتًا من بعيد. صار هو الصوت الذي يمشي.

لأن بعض الأحلام لا تُدرَك بالوصول. تُدرَك بأن نبقى نسير إليها، حتى لو طال الطريق.