النهار

٠٣ سبتمبر-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ سبتمبر-٢٠٢٦       4345

بقلم: محمد السويعي

ما تقدمه أكاديمية طويق من برامج ومعسكرات تقنية لتأهيل أبناء وبنات الوطن يستحق التقدير. فمن الأمن السيبراني والبرمجة إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وغيرها من تقنيات المستقبل، استطاعت الأكاديمية خلال سنوات قليلة أن تصنع تجربة وطنية مميزة، وأن تجعل التدريب التقني المتخصص أقرب إلى أبناء وبنات الوطن وأكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل.

وبحسب أحدث الأرقام التي تنشرها الأكاديمية، فقد تجاوز عدد خريجيها 58 ألف خريج وخريجة، وقدمت أكثر من 3,500 معسكر وبرنامج، فيما استفاد أكثر من 1.6 مليون متدرب من منصة "سطر"، وبلغت نسبة توظيف خريجي المعسكرات 82 في المئة، إلى جانب أكثر من 60 شراكة عالمية. وهي أرقام تستحق الإشادة، لكن خلفها جانب آخر لا يظهر في الإحصاءات؛ وهم الأشخاص الذين يعملون لإنجاح هذه البرامج.

وأقول ذلك عن تجربة شخصية؛ ففي عام 2023 تشرفت بتقديم محاضرة عن بُعد في أكاديمية طويق حول "الهندسة الاجتماعية"، ولمست بنفسي مستوى التنظيم والمتابعة والاهتمام بالتفاصيل. وكان للأستاذة تهاني المدلج، التي تولت تنظيم المحاضرة وإدارتها، دور أقدّره في حسن التنسيق والمتابعة. ومن الإنصاف هنا أن يمتد الشكر إلى جميع العاملين في الأكاديمية من موظفين ومنظمين ومدربين وفرق فنية وإدارية؛ فنجاح أي مؤسسة لا تصنعه الأرقام وحدها، بل يصنعه الأشخاص الذين يقفون خلفها.

ولأن التجربة نجحت، فمن الطبيعي أن نطمح إلى المزيد.

أكاديمية طويق لم تغفل مناطق المملكة، فقد قدمت برامج خارج الرياض وأتاحت التدريب عن بُعد في عدد من برامجها، لكن بعض المعسكرات الاحترافية والمكثفة ما زالت تتطلب الحضور إلى الرياض. وهنا أعتقد أن هناك فرصة كبيرة للتوسع. فالموهبة لا تسكن مدينة واحدة. ففي مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها شباب وشابات لديهم الشغف والقدرة على الإبداع في التقنية، لكن ليس كل شخص يستطيع الانتقال إلى الرياض لأسابيع أو أشهر. قد يكون المتقدم موظفًا أو طالبًا، أو تكون لديه ظروف أسرية لا تسمح له بالانتقال. وقد نخسر عندها موهبة حقيقية، ليس لأنها لم تكن مؤهلة، وإنما لأن بعد المسافة وقفت بينها وبين الفرصة.

وأنا لا أدعو إلى تحويل جميع المعسكرات إلى التدريب عن بُعد؛ فهناك تخصصات تحتاج إلى الحضور والمختبرات والتطبيق العملي المباشر. لكن لماذا لا نتوسع أكثر في النموذج الهجين، بحيث يجمع البرنامج بين التدريب عن بُعد والحضور عند الحاجة؟ ولماذا لا تتوسع المعسكرات النوعية في مناطق المملكة بالشراكة مع الجامعات والكليات والمراكز التقنية الموجودة أصلًا؟

ويمكن كذلك التفكير في معسكرات طويق المتنقلة، بحيث تنتقل بين المناطق خلال العام، وتحمل معها المناهج والمدربين والخبرة والشراكات التقنية، وتبحث عن الموهبة في مكانها بدل أن تنتظر منها دائمًا أن تأتي إليها. هذا الطرح ليس انتقادًا لأكاديمية طويق، بل على العكس؛ هو طموح نابع من نجاحها. فما تحقق حتى الآن يجعلنا نتطلع إلى أن تتسع دائرة هذا النجاح لتصل الفرصة إلى أكبر عدد ممكن من أبناء وبنات الوطن.

فالمملكة تراهن اليوم على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة، وهذه المجالات تحتاج إلى اكتشاف الكفاءات أينما كانت. وربما يكون المبرمج المبدع القادم، أو محلل الأمن السيبراني المتميز، أو مهندسة الذكاء الاصطناعي التي ستصنع فارقًا في المستقبل، موجودًا اليوم في مدينة أو محافظة بعيدة، ولا ينقصه سوى التدريب الصحيح والفرصة المناسبة.

لقد نجحت طويق في بناء اسم يرتبط لدى كثير من أبناء وبنات الوطن بالتقنية والتعلم والفرصة، وربما يكون طموح المرحلة المقبلة أن تصبح المسافة أقل تأثيرًا في الحصول على تلك الفرصة. ففي زمن التقنية، ليس من الضروري دائمًا أن تذهب الموهبة بحثًا عن الفرصة؛ أحيانًا يكون الأجدى أن تذهب الفرصة إلى حيث توجد الموهبة.

وأقول للقائمين على أكاديمية طويق: أنتم كرماء بالعلم والفرص، وأبناء وبنات الوطن يستحقون كرمكم.