النهار

٠٣ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ أغسطس-٢٠٢٦       2750

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست الأصوات سواء.

منها ما يمر على السمع ثم يمضي، ومنها ما يعبر إلى الوجدان، ومنها ما يستقر في ذاكرة الناس حتى يصبح جزءًا من أعمارهم.

ولهذا .. لا يُقاس الفن بعدد الأعمال، ولا بطول المسيرة، ولا بكثرة التصفيق؛ وإنما بما يتركه من أثرٍ بعد أن يخفت الصوت.

ومن هنا ؛ فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو محمد عبده؟

فهذا سؤالٌ أجابت عنه المسارح، وأجابت عنه العقود، وأجاب عنه جمهورٌ امتد من الخليج إلى المحيط.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:

لماذا بقي محمد عبده، بينما غاب كثيرٌ ممن عاصروه؟

ليس لأنه وُهب صوتًا جميلًا؛ فالأصوات الجميلة كثيرة، ولا لأنه أحسن اختيار القصيدة واللحن وحدهما؛ فذلك شاركه فيه فنانون كبار ؛ إنما لأنه أدرك، منذ وقتٍ مبكر، أن الغناء لا يبدأ من الحنجرة، بل من فهم الكلمة، وأن اللحن لا يُؤدَّى، بل يُعاش، وأن المطرب الحقيقي لا يرفع صوته فوق القصيدة، بل يرفع القصيدة بصوته.

وهنا يكمن السر.

محمد عبده يُطرِب… وكثيرون يغنّون.

وليست هذه مفاضلة بين الأصوات، بل تمييزٌ بين منزلتين.

فالغناء صناعةُ الصوت، أما الطرب فصناعةُ الأثر.

الغناء أن تبلغ الأذن، والطرب أن تبلغ القلب.

الغناء أن يسمعك الناس، والطرب أن يسمعوا أنفسهم فيك.

وقد أرست المدرسة العربية في الطرب، التي كانت أم كلثوم إحدى أعظم رموزها، مفهومًا يقوم على أن الطرب ليس قوة الصوت وحدها، بل صدق الإحساس وحسن التعبير؛ ومن هذا الفهم ظل  محمد عبده  يغني الوجدان قبل أن يغني اللحن.

ولعل أكبر خطأ نقع فيه حين نتحدث عن محمد عبده؛ أننا نحاول تفسير ظاهرةٍ كاملة بالحنجرة وحدها.

فالحنجرة تفتح باب الإعجاب…

أما الذائقة فتفتح باب الخلود.

ولهذا لم يكن يغني بعذوبة صوته وحدها، بل كان يغني بعقله، وبذائقته، وباحترامه العميق للكلمة.

ولم يكن مطربًا فحسب، بل موسيقيًا يمتلك حسًّا لحنيًا رفيعًا؛ فأسهم في تلحين عددٍ من أعماله، وكان يتعامل مع اللحن بوصفه امتدادًا للمعنى، لا مجرد إطارٍ للصوت.

كان يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يترك للشاعر أن يتكلم، وللملحن أن يرسم، ثم يأتي صوته ليصل بينهما كما يصل النهر بين ضفتيه.

وكثيرًا ما كان يتحاور مع الشعراء حول مفردةٍ أو تركيبٍ أو ترتيب بيت، إذا رأى أن ذلك يمنح النص أثرًا أعمق عند المستمع، فكان شريكًا في صناعة الأغنية، لا مجرد مؤدٍّ لها.

وهذه منزلة لا يبلغها إلا من أدرك أن الفن ليس استعراضًا للقدرة، بل انحيازٌ للجمال.

ولذلك أحبه الشعراء قبل أن يحبه الجمهور؛ لأنهم وجدوا فيه قارئًا للنص قبل أن يكون مؤديًا له.

ففي قصائد الأمير خالد الفيصل ؛ ظل النص محتفظًا بجلاله، لكنه اكتسب بصوته حياةً أخرى، وفي قصائد الأمير بدر بن عبدالمحسن ؛ بقيت الصورة الشعرية بكامل دهشتها، غير أنها وجدت في صوته فضاءً أرحب للوصول إلى الناس.

ولم تكن تلك الشراكات مجرد تعاونٍ بين شاعرٍ ومطرب، بل حوارًا بين الكلمة واللحن والصوت؛ ولذلك خرجت كثيرٌ من الأغنيات وكأنها عملٌ واحد، لا تُعرف فيه حدود الشاعر من المطرب، ولا المطرب من الملحن.

ولم تكن تلك التجارب مجرد أعمال فنية، بل كانت مشروعًا ثقافيًا أثبت أن الأغنية السعودية، حين تجتمع لها الكلمة الرفيعة، واللحن الأصيل، والصوت الكبير؛ تصبح قادرة على تجاوز حدود الجغرافيا إلى الوجدان العربي.

وليس من الإنصاف أن يُقرأ تاريخ الأغنية السعودية بعين المفاضلة بين القامات، وإنما بعين التكامل بينها.

ومن هنا؛ لا يكتمل الحديث عن  محمد عبده  إلا بحضور اسم طلال مداح.

فإذا كان طلال مداح قد استحق، عن جدارة، لقب «صوت الأرض»؛ لأنه رسّخ الجذور وأطلق البدايات، فإن  محمد عبده  استحق أن يكون «صوت الذاكرة»؛ لأنه حمل تلك التجربة إلى آفاقٍ أرحب، حتى غدت الأغنية السعودية جزءًا من الوجدان العربي.

الأرض تُنبت… والذاكرة تُخلِّد.

وطلال مداح أنبت الشجرة، أما  محمد عبده  فحمل ثمرتها إلى أجيالٍ لم تشهد غرسها، لكنها عاشت في ظلها.

ولم يكن تأثير  محمد عبده  فنيًا فحسب، بل كان ثقافيًا أيضًا.

فقد حمل الأغنية السعودية إلى العالم العربي، لا بوصفها لونًا محليًا، بل بوصفها تعبيرًا عن ثقافةٍ تحترم الشعر، وتؤمن بجمال اللغة، وتمنح اللحن مكانته.

وهكذا أصبح أحد أبرز وجوه القوة الناعمة السعودية، وسفيرًا لفنٍ لم يتخلَّ عن هويته وهو يعبر إلى الآخرين.

ولذلك .. لم يكن لقب «فنان العرب» لقبًا احتفاليًا، بقدر ما كان وصفًا لمكانةٍ صنعتها عقودٌ من الانضباط الفني، واحترام الذائقة، والوفاء للكلمة.

فاللقب الحقيقي لا تمنحه المؤسسات ولا تصنعه العناوين ؛ وإنما تمنحه ذاكرة الناس حين تُجمع، عبر الزمن، على اسمٍ واحد.

ومع مرور العقود؛ تبدلت وسائل الاستماع، وتعاقبت الأجيال، بينما ظل صوته حاضرًا.

وهنا تُختبر قيمة الفنان.

فالفنان العابر يحتاج إلى زمنه كي يبقى، أما الفنان الكبير فيجعل الزمن يحتاج إليه كلما أراد أن يستعيد شيئًا من ذاكرته.

ولم يكن الناس يعودون إلى صوته ليستمعوا إلى أغنيةٍ بعينها، بل ليعودوا إلى شيءٍ من أنفسهم.

في أغنياته ذاكرة سفر، وحنين مدينة، وفرح لقاء، ولوعة فراق، وشيء من أعمارٍ مضت، ما زالت تعيش كلما عاد الصوت.

وهنا تتجلى المفارقة.

فبعض الفنانين يتركون وراءهم أرشيفًا…

أما محمد عبده، فترك وراءه ذاكرة.

وكأن أبا الطيب المتنبي لخّص خلود الأثر حين قال:

وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعرًا أصبح الدهرُ مُنشِدَا

فالأعمال الكبيرة لا يحفظها التاريخ وحده، بل يرددها الزمن جيلاً بعد جيل.

ولقد كان شاهدًا على تحولات المملكة، كما كانت المملكة شاهدةً على تحولات صوته.

غنّى للمملكة وهي تشيّد نهضتها الحديثة، فصار صوته شاهدًا على التحول، كما غدت تلك التحولات شاهدةً على خلود صوته؛ حتى أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية، لا يصف التاريخ، بل يرافقه.

وقد يُولد في كل جيل صوتٌ جميل…

لكن الذاكرة لا تختار إلا القليل.

لا تختار أعلى الأصوات…

بل أصدقها أثرًا.

وإذا كان طلال مداح قد استحق أن يكون صوت الأرض، فإن  محمد عبده  استحق أن يكون صوت الذاكرة.

فالأرض تُنبت…

والذاكرة تُخلِّد.

وحين يتحول الصوت إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وجدان، والوجدان إلى جزءٍ من هوية أمة…

فأنت لا تستمع إلى مطرب.

أنت تستمع إلى تاريخٍ يُغنّي.

وذلك…

هو محمد عبده.