بقلم ـ غازى العوني
*هو طموحنا. قد تُكتب فصوله بلا اختيارنا، وقد نكتبه نحن.*
في البداية نظن أننا نمسك الدفة، فنختار الطريق والوجوه والنهايات.
ثم نكتشف أن الحياة تمسك معنا القلم، وتقودنا إلى فصول لم نكن ننوي عيشها.
الطموح لا يتوقف.
هو فقط يغيّر مقاعده.
*وليس الطموح حيث كان يجلس، بل هو حيث يجلس الآن.*
إلى جوارنا لا يبرح. وجهه يشبهنا حين كنا نؤمن أن كل شيء ممكن، وعيناه لا تنظران إلا إلى ما بعد المنعطف.
وركبنا قطاراً بلا خريطة.
قطار لا يُقاس بالمسافات، ولا يُحسب بالمحطات التي عبرنا.
له أرصفة فقط. وفي كل رصيف نُعطى شيئاً، ويُؤخذ منا شيء.
*محطة اللقاء الأول*
دخلناها *وقلوبنا طموحة*.
ظننا أن القطار سيطول به المقام هنا.
تركت فينا هذه المحطة وعداً بأن القادم سيشبه الضوء.
مضى القطار، وبقي الوعد يتردد كلما ضاقت السكة.
*محطة الأمل*
هنا صعد إلينا شيئاً ما لم نتوقعه، أو فكرةٌ ظنناها ماتت.
*وهنا تذكرت طموحي. كان يرافقني في نفس المقعد، ولكنه قد بلغ مسافاتٍ طويلة قبلي.*
ابتسمت وقلت: إن كان قد سبقني، فالسكة واحدة.
فتح النافذة فدخل الهواء، وقال الطموح: "انظروا، لم تفرغ السكة بعد".
في هذه المحطة تعلمنا أن الخسارة لا تعني النهاية، وأن كل فراغ يمكن أن يُملأ بمعنى جديد.
غادرناها ونحن أخف، وإن لم نحمل معنا إلا كلمة واحدة: "سنكمل".
*محطة الخذلان*
هنا تعلمنا أن اللمعان لا يعني الذهب دائماً.
وهنا تعلمنا أن نسأل ولا يُجاب.
فأجابنا القطار بحركته: امضوا، لم ننتهِ بعد.
*محطة الانتظار*
أطولها وأصعبها.
لا صاعد ولا نازل، لا ضجيج ولا خبر.
*وفيها نظرت من النافذة فرأيت أثر صديقي بعيداً... يمضي. ففهمت أن السبق ليس سباقاً، بل هو سير.*
اكتشفنا فيها أن الصبر ليس أن نجلس، بل أن نمشي داخل المكان نفسه دون أن نملّ.
كم مرة كتبنا النهاية؟
"وهنا انتهى كل شيء".
فجاءت الأيام ومحتها، وأضافت سطراً لم نتوقعه.
لأن الطموح لا يُكتب مرة، هو يُكتب ثم يُمحى ثم يُعاد حتى نتعلم كيف نسير به.
ونحن ما زلنا على المقعد.
نسعى أحياناً، ويُسعى بنا أحياناً.
نضحك على سذاجة الأمس، ونبكي على حكمة اليوم التي تأخرت.
ولكننا لم ننزل.
لأن الذي بجوارنا لم ينزل.
يهمس كلما لاح رصيف: "انهضوا، الطريق لم يُختم بعد".
فلا نجزع من رصيفٍ لم نختره، فقد يكون هو النجاة.
*ولا نأسَ على رصيفٍ فاتنا، ولا على طموحٍ سبقنا، فلكلٍ منا محطاته وتوقيته.*
القطار ماضٍ، والوقت لا ينتظر من يرتب طموحه.
*فربما تختلف الظروف بين طموحٍ وآخر، ولكن كلما كانت الظروف أصعب، كلما كان الطموح أكبر.*
وفي آخر الأمر سنفهم:
إما أننا نصنع الطموح، وإما أن الطموح يصنعنا.
وفي الحالتين سنصبح حكاية.
حكاية يجلس بعدنا أحدهم في المقعد ذاته، ويقابل الطموح ذاته، ويبدأ رحلته بين المحطات التي لا تنتهي.