الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٣٠ يوليو-٢٠٢٦       3190

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي

لا تموت الحضارات يوم تسقط أسوارها، بل يوم تفقد ذاكرتها.

فالخراب تعالجه يد البنّاء، أما النسيان فلا يعالجه إلا الوعي. ولهذا لم يكن سؤال الأمم الكبرى يومًا: كيف نحفظ آثارنا؟ بل: كيف نجعل آثارنا تحفظنا؟

لهذا جاء القرآن الكريم داعيًا إلى النظر لا إلى المشاهدة، وإلى الاعتبار لا إلى الفرجة؛ ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، ثم يكشف الغاية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالأثر في الرؤية الإسلامية ليس غايةً في ذاته، بل جسرٌ إلى الوعي، والذاكرة ليست استرجاعًا للماضي، بل استحضارًا لمعناه.

ولذلك قال ابن خلدون كلمته الخالدة: "التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق". 
وكأنه كان يحذر من تحويل التاريخ إلى أرشيف، بدل أن يكون مدرسةً للعمران والإنسان.

لقد تغيرت فلسفة التراث في العالم. فلم تعد المتاحف تُقاس بما تضمه من مقتنيات، بل بما تصنعه من وعي. 
ولم يعد الأثر قطعةً تُعرض، بل قصةً تُروى، وسؤالًا يُثار، وذاكرةً تستأنف حياتها مع كل زائر.

ومن أجمل ما كتبه الفيلسوف بول ريكور أن الذاكرة ليست حفظًا للماضي، بل إعادة بناءٍ له في ضوء الحاضر. 
وبين هذه الفكرة، ورؤية ابن خلدون، تمتد المسافة التي تفصل بين التراث الصامت والتراث الحي.

هذه الفلسفة حضرت في ذهني وأنا أزور، برفقة رجل المال والأعمال الأستاذ خالد العنزي، القصر الوطني للحضارات التاريخية بقرن المنازل في السيل الكبير، الذي أنشأه المؤرخ والباحث الأستاذ ماجد بن سعيّد الثبيتي.

هناك لم أرَ متحفًا…

رأيت ذاكرة.

ولم أرَ أحجارًا…

رأيت معاني.

كان واضحًا أن المشروع لم يُبنَ ليجمع التاريخ، بل ليعيد تشغيله. فكل ركنٍ يقود إلى آخر، وكل معلمٍ يفتح بابًا لمعنى، حتى يشعر الزائر أنه لا ينتقل بين معروضات، بل بين طبقات الزمن نفسها.

ومن هنا خطرت لي عبارة لم تفارقني:

هذا ليس قصرًا للحجارة… بل خوارزمية للذاكرة.

فالخوارزمية، في جوهرها ؛ ترتيبٌ يقود إلى نتيجة. 
وهذا ما يحدث هنا؛ إذ تنتظم عناصر الحضارة في سياقٍ يجعل كل مشهدٍ يفسر ما يليه، حتى تغدو الزيارة رحلةً في الفهم، لا جولةً في المشاهدة.

وهنا يتجلى الفرق كله.

فالتراث الصامت يحفظ الأثر.

أما التراث الحي فيحفظ أثر الأثر.

الأول يصون الحجر من التآكل.

والثاني يصون الإنسان من النسيان.

الأول يحفظ الماضي.

والثاني يجعل الماضي شريكًا في صناعة المستقبل.

وهذه هي النقلة التي يحتاجها خطابنا الثقافي.

فنحن لسنا بحاجة إلى مزيدٍ من المتاحف التي تحرس التاريخ، بقدر حاجتنا إلى مشاريع توقظ التاريخ، وتعيده إلى الحياة، وتمنح الأجيال فرصةً لأن تعيشه، لا أن تتفرج عليه.

ولعل أجمل ما في تجربة القصر الوطني للحضارات التاريخية أنها لم تجعل الحجر محور الحكاية، بل جعلت الحكاية هي التي تمنح الحجر قيمته. وهذه هي صناعة الذاكرة في أبهى صورها.

إن الأمم لا تحفظ هويتها بما تكدسه من آثار، بل بما تمنحه لتلك الآثار من قدرة على أن تبقى حاضرةً في وجدان أبنائها. فالهوية ليست جدارًا يُرمم، وإنما معنىً يُورث، ووعيٌ يتجدد، وذاكرةٌ لا تسمح للزمن أن ينتصر عليها.

وفي زمنٍ تتجه فيه المملكة العربية السعودية، برؤيةٍ طموحة، إلى جعل الثقافة أحد محركات التنمية ، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر من مشاريع تراثية؛ إنها استثمارٌ في الوعي الوطني، وإحياءٌ للعلاقة بين الإنسان وتاريخه، وتحويلٌ للماضي من ذاكرةٍ محفوظة إلى ذاكرةٍ فاعلة.

خرجت من القصر، ولم يكن أكثر ما علق بذهني شكل الحجر…

بل صوته.

وأدركت أن الحضارات لا يخلدها ما تبنيه من جدران، بل ما توقظه في تلك الجدران من معنى.

فالحجر لا يتكلم لأن له لسانًا…

بل لأن هناك من أحسن أن يمنحه ذاكرة.