النهار

٠١ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ أغسطس-٢٠٢٦       1815

الكاتب/ عبدالرحمن بن شديد الفهمي

 

في خضم الأحداث، وبينما يصيح الصائحون، ويتشدق المتشدقون، ويدلّس الكاذبون، ويلتطم الملطومون، ويؤوّل المؤولون، ويتراقص المرتزقة على إيقاع الفوضى، ويظن وكلاء المشاريع العابرة للحدود أن الضجيج يصنع انتصارًا… كانت المملكة العربية السعودية تكتب موقفها باللغة الوحيدة التي تفهمها الدول ذات السيادة: لغة الدولة، لا لغة الميليشيا. ولغة القرار، لا لغة الشعارات.

 

لقد أثبتت المملكة، مرةً بعد أخرى، أن الصبر ليس ضعفًا، وأن الحكمة ليست ترددًا، وأن ضبط النفس لا يعني التنازل عن الحق. فالدولة التي تحمل مسؤولية أمن الحرمين الشريفين، وتقود أكبر اقتصاد عربي، وتؤدي دورًا محوريًا في استقرار المنطقة والعالم، لا يمكن أن تسمح بأن يتحول أمنها إلى ساحة عبث، أو أن تصبح سيادتها هدفًا لتجارب الميليشيات أو رهانات من يقف خلفها.

 

إن المملكة لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تفرّ منها إذا فُرضت عليها. ولا تسعى إلى التصعيد، لكنها تعرف أن أمنها الوطني ليس موضوعًا للنقاش، ولا مجالًا للمساومة، ولا ورقةً على طاولة أي مشروع إقليمي.

 

أما الذين اعتادوا الاحتماء خلف الميليشيات، والاختباء وراء الشعارات، واستبدال منطق الدولة بمنطق العصابات، فعليهم أن يدركوا أن الفرق بين الدولة والميليشيا هو أن الأولى تتحرك وفق قرار وسيادة ومسؤولية، بينما الثانية لا تعيش إلا على الفوضى، ولا تتنفس إلا في ظلال الخراب.

 

هذه البلاد المباركة، بقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، لم تبنِ مجدها بالخطب، بل بالإنجازات. ولم تصنع مكانتها بالصراخ، بل بالعمل. ولم تحافظ على أمنها بالتمني، بل برجال يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن وطنٍ جعل من الاستقرار رسالة، ومن السيادة عقيدة، ومن الكرامة الوطنية مبدأً لا يقبل المساومة.

 

وليعلم القاصي والداني أن المملكة العربية السعودية ليست دولةً يُختبر صبرها كل يوم، وليست وطنًا يمكن تهديده عبر الوكلاء أو حملات التضليل أو صواريخ الفوضى. إنها دولة تعرف قيمة السلام، لكنها تعرف أيضًا أن السلام الحقيقي لا يحميه إلا الردع، ولا تصونه إلا القوة، ولا تفرضه إلا دولة تعرف متى تصبر… ومتى تتخذ القرار.

 

إن التاريخ لا يذكر صخب الميليشيات، بل يذكر الدول التي بقيت واقفةً رغم العواصف. والمملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها وحتى اليوم، لم تكن يومًا أسيرة ردود الأفعال، بل صانعةً للقرار، وركيزةً للاستقرار، وعنوانًا للهيبة في محيطٍ تعصف به الفوضى.

 

ويبقى الدرس الذي يتكرر كلما حاول أحدهم الاقتراب من أمن هذا الوطن: أن المملكة قد تطيل صبرها، لكنها لا تتخلى عن حقها، وأن هيبة الدولة لا تُستجدى، بل تُفرض، وأن سيادة السعودية ليست موضوعًا للنقاش… بل حقيقةٌ يدركها من احترمها، ويتعلمها متأخرًا من حاول المساس بها.