النهار
بقلم - عبدالناصر بن علي الكرت
لم تعد ميليشيات الحوثي تمثل مجرد جماعة متمردة داخل حدود دولة، بل غدت شكلاً جديداً لقرصنة القرن الحادي والعشرين، تعيد إلى الأذهان صور قراصنة البحار الذين عاثوا في الملاحة الدولية فساداً، يقطعون الطرق البحرية ويهددون أمن التجارة ويعبثون بمصالح الشعوب. ولما أدرك العالم آنذاك خطورة تلك الظاهرة، توحّدت إرادته وسنّ القوانين وشكّل التحالفات وأقام قوات الردع حتى أُزيل ذلك الخطر وأصبحت القرصنة صفحةً من صفحات التاريخ.
واليوم تعود تلك الصفحة السوداء بثوب جديد، تحمله ميليشيات الحوثي التي اتخذت من الإرهاب والعدوان نهجاً، ومن تهديد الملاحة الدولية وسيلةً للابتزاز والفوضى. فهي لا تستهدف سفينة بعينها ولا دولةً دون أخرى، وإنما تعتدي على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي وتعبث بحرية الملاحة وتهدد سلاسل الإمداد التي تقوم عليها مصالح الأمم واستقرار الأسواق.
ومن هنا، فإن الاعتداء على السفينة السعودية لا يُنظر إليه على أنه عمل عدائي ضد المملكة العربية السعودية وحدها، بل هو جريمة دولية مكتملة الأركان وعدوان على المجتمع الدولي بأسره، وانتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق والأعراف البحرية، التي نظمت العلاقات بين الدول وحفظت أمن البحار لعقود طويلة. فالصمت أمام مثل هذه الجرائم لا يعني سوى تشجيع الفوضى، وفتح الباب أمام التصرّفات الهمجية بدلاً من سيادة القانون.
فقد كشفت هذه الممارسات الوجه الحقيقي لهذه الميليشيات المتخلفة، التي لا تحترم عهداً ولا تلتزم قانوناً ولا تراعي حرمة إنسان، ولا تقيم وزناً للقيم الدينية أو الأخلاقية. إنها جماعة لا تعرف إلا منطق السلاح ولا تؤمن إلا بالفوضى ولا تعيش إلا في بيئة الاضطراب والصراع.
وليس العالم هو أول من اكتوى بنيرانها..فالشعب اليمني الشقيق كان الضحية الأولى لبطشها واستبدادها. فقد ذاق اليمنيون ألواناً من القتل والسجن والتعذيب والتشريد، لمجرد تمسكهم بوطنهم وشرعيتهم ورفضهم لمشروع دخيل اختطف الدولة بقوة السلاح، وسعى إلى فرض واقع لا يحظى بقبول الشعب اليمني، الذي ظلّ متمسكاً بعروبته وعمقه الإسلامي وانتمائه الطبيعي إلى محيطه العربي.
فخطر الحوثيين غير مختزل في حدود اليمن أو البحر الأحمر، لأن مشروعهم يقوم على زعزعة الأمن الإقليمي وتهديد الاستقرار الدولي وتقويض النظام القائم على احترام السيادة والقانون. ولهذا فإن مسؤولية التصدي لهم ليست مسؤولية دولة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي..الذي ينبغي أن يتعامل مع هذه الاعتداءات بالحزم ذاته الذي تعامل به مع قراصنة البحار في الماضي، عبر محاسبة مرتكبيها وفرض العقوبات الرادعة وتجفيف مصادر تهديدهم، حمايةً للملاحة الدولية وصوناً لأمن المنطقة والعالم.
وسيظل اليمن بإذن الله، عصياً على مشاريع الفوضى، وستبقى المملكة العربية السعودية، بما تضطلع به من مسؤولية إقليمية ودولية، سنداً لاستقرار المنطقة، وداعمةً لكل ما يحفظ أمن الملاحة الدولية، حتى يعود اليمن إلى شعبه وتعود البحار فضاءاتٍ للتجارة والتواصل بين الأمم، لا ميادين للقرصنة والإرهاب.
فالتاريخ لا يخلّد العصابات، وإنما يخلّد الدول التي انتصرت للقانون وحمت الإنسان وصانت أمن العالم.