النهار

٢٦ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يوليو-٢٠٢٦       2530

بقلم- عبدالوهاب بن فيصل السحيمي
خاتمةُ المؤمن في هذه الدنيا الفانية هي أولى البشائر في دار البقاء؛ ترسمها ملامح اللحظات الأخيرة، وتكشفها ساعات الرحيل التي تسبق تلك الثانية التي لَا يَسْتَأْخِرُ عنها الإنسان وَلَا يَسْتَقْدِمُ.
تلك الثانية، وأنا أودّع سندَ العمر، لم أجد لها وصفًا أصدق من قوله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ۝ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾
وصفًا فرضته ملامحه، رحمه الله، على قلبي ولساني؛ وجهٌ تملؤه السكينة، وابتسامةٌ ظلّت على محيّاه، لتكمل رسائل الطمأنينة التي بعثها إلى قلبي طوال ليلة رحيله، حيث بقيت كفّي في كفّه ساعات؛ يشدّ عليها لحظات، ثم يتركها، ثم يعود إليها من جديد.
كانت لمساتُه تعيدني إلى سنواتي الأولى، حين كانت يده أول ما أعرفه من الأمان، وأقرب ما ألجأ إليه من الخوف.
وهكذا مضينا معًا؛ يميني في يمينه حتى فجر الجمعة.
تلك اليد التي امتدت طوال ثمانين عامًا إلى كتاب الله، تقلّب صفحاته، وتتعهّد سوره، وتستعيد آياته.
لم يعرف أبي قراءة ولا كتابة، لكن القرآن كان استثناءه العظيم؛ فما إن يستقر المصحف بين يديه حتى يجري كلام الله على لسانه، ينتقل بين الآيات في ثقة الحافظ، ويقف عند مواضعها في أُلفة من عاش معها عمره كله؛ لقد تعلّم القرآن بطريقته؛ بالسماع، والتكرار، وطول الملازمة.
تلك اليد التي لم ترتعش وهو يواري والده الثرى في بقيع الغرقد قبل نحو ثمانين عامًا، وهو ابن ثمانية عشر ربيعًا، لترعى بعد ذلك خمس أخواتٍ وأخًا لم يبلغ الثالثة من عمره حين رحل والدهم.
تولّى شؤونهم، وقام على حاجاتهم، وتعاهد تربيتهم؛ يوقظهم للصلاة، ويعلّمهم ما حفظ من القرآن، ويُسند إلى كلّ واحدٍ منهم، بحسب عمره، ما يقدر عليه من شؤون حياتهم؛ يعلّمهم تحمّل المسؤولية، ويعينهم على مواجهة قسوة العيش، حتى شبّوا على محبةٍ بقيت بينهم، وكانت، ولا تزال، مضربَ مثل.
وفي منتصف عمره تقريبًا عاش التجربة نفسها مع أبنائه وبناته؛ فجمع قلوبنا كما جمع قلوب إخوته من قبل، حتى نشأنا على محبةٍ كان هو أصلها، وبقيت بيننا أثرًا من آثاره.
وتلك اليُمنى التي كانت تُقري الضيف، وتحفظ للجار حقّه، وتعين الأرملة والمسكين، وتهيّئ لعابر السبيل ما يبلّغه وجهته، وتمتد إلى اليتيم لتمسح على رأسه وتجبر خاطره.
لا تكفي سطور، مهما طالت، لتجمع سيرةً اتّسعت لكل هذا الخير، ولا لتفي صاحبها مواقف كرمه، وشهامته، وشجاعته، ونبله، وتواضعه، وزهده.
غير أنني أعود إلى حيث بدأت؛ إلى خاتمة المؤمن، حين جاءت الثانية التي اختارها الله له عصر الجمعة الماضية، العاشر من شهر صفر، لتفتح للقلب باب الرجاء بما جاء عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر».
ليُغسَّل ويُكفَّن في ساعةٍ عظيمة قبل مغيب الشمس، ثم يُحمل إلى المسجد النبوي، ليصلّي عليه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها؛ لنستبشر بقول النبي ﷺ:
«ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفّعهم الله فيه».
ومن المسجد النبوي مضى إلى بقيع الغرقد، في مدينة رسول الله ﷺ التي قال فيها:
«من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها».
ورجاؤنا أن يكون فيمن قال عنهم ﷺ:
«أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيُحشرون معي».
اللهم يمّن كتابه، ويسّر حسابه، وثقّل بالحسنات ميزانه، واجعل القرآن الذي لازمه في حياته أنيسه وشفيعه.
اللهم اجزه عن كل ضيفٍ أكرمه، وأرملةٍ جبرها، ويتيمٍ رعاه، وعن أهلٍ أفنى عمره في رعايتهم، رحمةً واسعةً ورضوانًا لا ينقطع.

رحمك الله يا أبي
يا وجهَ البِشرِ والبشائرِ
طيّب الله ثراك
وجعل ابتسامتك التي ودّعتنا بها
أولَ بشائر النعيم المقيم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.