النهار

٢٦ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يوليو-٢٠٢٦       2805

بقلم- الكاتبة فاطمه الأحمد
نستعد كما لو أن هناك بابًا يُفتح.
وكأن حرفًا واحدًا—فقط—  
سيكون كافيًا ليروي ما بين الضلوع.
نرفع أصابعنا فوق لوحة المفاتيح.  
ونمنح قلوبنا لحظة ارتباك لطيفة…  
ثم نتراجع خطوة.  
لا خوفًا من السؤال.  
ولا لأننا لا نملك ما نقول.  
بل لأننا نفهم—بدقة مؤلمة.
أن بعض الكلام لا يُقال إلا في توقيته الصحيح…  
وأن توقيتنا أحيانًا يتأخر  
بقدر ما تتأخر الأرواح عن تصحيح ما فات.
تظهر الرسالة في خيالنا جاهزة،  
نكتب بدايتها في ذهننا،  
ونرتّب نهايتها بعناية،  
لكن حين نصل إلى السطر الأخير  
يختنق المعنى في الحنجرة. 
ويصبح الحرف أقل من شعور كامل.
لا تكتب…  
ولا لأنك لا تملك شيئًا.
بل لأنك تعرف أن الكلمات—حين تُستعجل—  
قد تتحول إلى جدار.
وقد تُفقد الاعتراف روحه. 
وتُلبسه قناعًا آخر  
لا يشبهك.
تشعر أن الثمانية والعشرين حرفًا  
لم تعد كافية لشرح ما في القلب.  
كأن القلب غرفة لا تسعها نوافذ.  
كأن داخلك بحر  
لا تُجدّفه جملة.  
تريد أن تقول:  
أنا هنا…  
لكن خيالك يفهم أن “أنا هنا”  
قد تُقرأ على أنها “أنا متأخرة”.  
وتريد أن تقول:  
أشتاق…  
لكن “أشتاق” قد تُختزل إلى مجرد كلمة  
لا تحمل وزن المساء.
فتتذكر كل مرة حاولت فيها  
أن تشرح دون أن تُجرح.
وأن تؤكد دون أن تُطلب.
وأن تطمئن دون أن تُثقّل.  
فتكتشف أن الرسائل ليست مجرد كتابة…  
بل هي طقس حسّاس:  
ترتيب نبرة، وحساب صمت،  
وخوف من سوء الفهم  
أكثر من الخوف من الرفض.
ثم… تختار الصمت.
الصمت هنا ليس هروبًا،  
بل طريقة للحفاظ على ما تبقى من المعنى.  
كأنك تقول لنفسك:  
لن أُحوّل مشاعري إلى إشارات قصيرة  
لا تشرح الطريق.  
لن أُرسل جملة  
تُختصر في عين الآخر  
إلى برودٍ أو تردد أو تقصير.
الصمت—عندك—قرارٌ ناعم،  
يحمي الاعتراف من أن يخرج صغيرًا.  
يحمي الحنين من أن يُظهر نفسه كسعيٍ يائس.  
ويحميك من أن تتهم بالضعف  
بينما أنت فقط تحاول  
أن تكون دقيقة.
لكن الصمت لا يعني توقف الحياة.  
بل يعني أن الحياة تُكتب في مكان آخر:  
في نظرةٍ قصيرة لا تُقال،  
وفي نفسٍ أعمق من المعتاد،  
وفي تأجيل إرسال الرسالة  
إلى أن يصفو المعنى.
أحيانا نقف على  عتبة محادثة   
ونحن لا نعرف إن كان الآخر جاهزًا  
للسؤال الذي نخبّئه خلف أسطرنا.  
ولا نعرف إن كانت التفاصيل التي نريدها  
ستُفهم كما نقصدها.  
ولا نعرف إن كان الوقت بيننا  
أقرب إلى مصالحة  
أم إلى وداع.
لذلك تتردد اليد.  
لذلك تعود العين إلى السطر الفارغ.  
لذلك تُعاد صياغة الكلام  
مرتين، ثلاثًا، عشرًا…  
ثم تتعب—وتسكت.
تختار الصمت  
كي لا تُخسر ما في القلب  
بأقل من حقه.  
كي لا تُعطي لحظة واحدة  
أكثر من معنى.  
كي لا تُرسل اعتذارًا  
فيتحول إلى دليلٍ على أن الاعتذار كان متأخرًا فقط،  
وكي لا تُرسل وعدًا  
فيُقرأ كأنك تُطمئن نفسك لا الآخر.
وتبقى العتبة قائمة.  
باب الرسالة مغلق الآن،  
لكن داخلك يظل مفتوحًا على احتمال.  
ربما تكتب لاحقًا،  
ربما تشرح يومًا ما  
حين تتسع الكلمات للمعنى،  
أو حين يفهمك الوقت  
كما تفهم أنت قلبك.
أما الآن…  
فقط تقف.  
وتختار الصمت.
لأن أحيانا،  
ليس الكلام دائمًا هو الطريق إلى القرب،  
وأحيانا لا يكون الإرسال هو الدليل على الحب،  
ولا يكون امتناعك عن الكتابة  
خسارة… بل حماية.
**فتختار الصمت**  
كي لا يَكسر الحرفُ ما لا يحتمل الكسر.  
كي يبقى قلبك حاضرًا—  
حتى إن لم يجد طريقه إلى رسالة.