النهار
بقلم ـ د. غالية بنت عيسى الزبيدي
في ذاكرة اللغة العربية ألفاظٌ لا تقف عند حدود معناها المعجمي، بل تحمل في داخلها صورًا من تاريخ الإنسان وعقله ومعتقداته.
ومن بين هذه الألفاظ التي جمع القرآن الكريم بينها في سياق واحد: الأنصاب والأزلام؛ إذ تمثلان صورتين من صور التعلق بالوهم، إحداهما ارتبطت بالحجر المنصوب، والأخرى بالسهم الذي يُستقسم به طلبًا لمعرفة المجهول.
وبين الحجر والسهم تكشف الآيات القرآنية عن منهج الإسلام في تحرير الإنسان من كل ما يعوق صلته المباشرة بالله، ومن كل اعتقاد يقوم على الخرافة والظن بدل اليقين والهداية.
الأنصاب: الحجر الذي اكتسب قداسة الوهم.
تعود كلمة الأنصاب إلى الجذر اللغوي (ن ص ب)، وهو جذر يدل على الإقامة والرفع والإظهار؛ فالنُّصُب هو الشيء المنصوب القائم، ومنه النصب بمعنى الإقامة والرفع.
والأنصاب في الاصطلاح الجاهلي هي حجارة كانت تُنصب في مواضع معينة، ولا سيما حول الكعبة، ثم تُذبح عندها القرابين تقربًا للأصنام أو طلبًا للبركة والحظ.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...﴾
(المائدة: 3)
فالنهي هنا لا يتعلق بالحجر في ذاته، وإنما بما ارتبط به من اعتقاد؛ إذ تحولت الحجارة من جماد لا يملك نفعًا ولا ضرًّا إلى رموز يعلّق عليها الإنسان آماله، ويقدم لها ما لا ينبغي أن يقدم إلا لله تعالى.
الأزلام: سهام تبحث عن جواب الغيب.
أما الأزلام فهي جمع زَلَم، والزَّلَم في اللغة هو السهم الذي لا ريش له، وقيل: هو القدح أو السهم الذي يُستعمل في الاقتراع.
وقد عُرفت في الجاهلية بأنها سهام تُكتب عليها عبارات أو علامات، ثم تُستعمل عند الإقدام على أمر من الأمور؛ فإذا خرج سهم يحمل معنى الإذن أقدموا، وإذا خرج سهم يحمل معنى المنع أحجموا، معتقدين أن ذلك يكشف لهم ما يخبئه المستقبل.
وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: 90)
كما ورد ذكرها في قوله تعالى:
﴿... وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ...﴾ (المائدة: 3)
والاستقسام بالأزلام يعني: طلب معرفة النصيب أو الخير والشر عن طريق تلك السهام، وهو قائم على وهم أن أداة جامدة يمكن أن تمنح الإنسان علمًا بما غاب عنه.
لماذا جمع القرآن بين الأنصاب والأزلام؟
لم يجمع القرآن الكريم بين الأنصاب والأزلام اعتباطًا؛ فبينهما رابط عميق، فكلاهما يمثل صورة من صور تعلق الإنسان بغير الله، وإن اختلفت الأداة.
فالأنصاب تمثل وهم المكان؛ إذ منح الإنسان حجرًا منزلة لا يملكها، وجعل منه واسطة بينه وبين الغيب أو القوة الإلهية.
أما الأزلام فتمثل وهم الأداة؛ إذ ظن الإنسان أن سهمًا صامتًا يستطيع أن يكشف له المستقبل ويحدد له طريقه.
فالحجر والسهم، على اختلاف صورتيهما، يلتقيان في معنى واحد: محاولة الإنسان البحث عن الطمأنينة خارج دائرة الإيمان بالله.
ولهذا وصفهما القرآن بأنهما ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنهما يعيدان تشكيل علاقة الإنسان بالغيب على أساس الوهم لا على أساس التوكل واليقين.
إن التأمل في هذين اللفظين يكشف جانبًا من دقة التعبير القرآني؛ فالقرآن لا يواجه مجرد مظاهر خارجية، بل يعالج جذور الفكرة في النفس البشرية: رغبة الإنسان في معرفة المجهول، وخوفه من المستقبل، وبحثه عن قوة يستند إليها. فجاء الوحي ليحرر العقل من أسر الحجر والسهم، وينقله إلى رحاب الإيمان الذي يجعل القلب متعلقًا بخالق الأسباب لا بالأسباب الجامدة.
وهكذا تبقى الأنصاب والأزلام - في القرآن -
شاهدتين على رحلة الإنسان من الوهم إلى الحقيقة، ومن التعلق بالمخلوق إلى الثقة بالخالق، ومن ظلمات الخرافة إلى نور الهداية.
شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب.
الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2026 م.