النهار
بقلم ـ طارق بن حزام
من أكثر الأوهام التي يصدقها الإنسان أنه مطالبٌ بأن يحتمل كل شيء؛ أن يجيب كل اتصال، ويقرأ كل رسالة، ويجامل الجميع، ويحافظ على كل علاقة، ويُكمل كل طريق بدأه. لكن الحقيقة أن الحياة لا تُقاس بكثرة ما نتحمله، بل بحكمة ما نختاره.
أُذكِّرك بأن من حقك أن تتجاهل مكالمةً تُزعج سكينتك، وأن تمحو رسالةً لا تحمل إلا الضيق، وأن تُغلق باب علاقةٍ تستنزف قلبك أكثر مما تُنعشه. فحماية النفس ليست أنانية، وإنما وعيٌ بأن السلام الداخلي نعمةٌ تستحق أن تُصان.
ومن حقك أيضًا أن تتوقف قليلًا، وأن تمنح نفسك إجازةً تستعيد فيها صفاءها، وأن تُغلق كتابًا لم تجد فيه ما يُثري فكرك أو يضيف إلى معرفتك. فليس كل ما بدأناه يستحق أن نُكمله، وإنما يُكمل الإنسان ما يضيف إلى حياته معنىً وقيمة.
إن التربية الحقيقية لا تُعلِّمنا أن نُرضي الجميع، بل أن نحفظ توازننا دون أن نظلم أحدًا أو نظلم أنفسنا. أما الفكر الناضج، فيُدرك أن الانسحاب من كل ما يُؤذي ليس هزيمة، بل شجاعة، وأن قول «لا» في الوقت المناسب قد يكون أبلغ من ألف مجاملة.
وتعامل مع العلاقات التي انتهت كأنها قبور؛ فالقبور لا تُنبش. ومن صار وراء ظهرك فدَعْه وراء ظهرك، ولا تكن أسير ماضيك، ولا تترك الباب مواربًا حتى لا يُغريك الرجوع. والمعارك التي لا طائل منها تستنزفك، فغادرها، والصداقات التي تنتقص من قدرك لا تلزمك، فتعلَّم أن تفارق، والأماكن التي تقتل فيك الشغف تُطفئك، فتعلَّم أن تغادر.
تذكَّر أن وقتك لا يُعوَّض، وأن قلبك ليس ساحةً لكل عابر، وأن حياتك أثمن من أن تُستنزف فيما لا يستحق. لذلك، اختر ما يمنحك الطمأنينة، ودَعْ ما يسلبها؛ فحسن الاختيار هو بداية الحياة المتوازنة.
وتذكَّر أن لك وجهةً عليك أن تبلغها، فإنَّ الملتفت لا يصل.
فالاختيار نعمة، والحكمة في حسن استعمالها. ومن عرف متى يقول: «لا»، عرف كيف يقول للحياة كلها: «نعم».