النهار

٢٣ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يوليو-٢٠٢٦       2970

بقلم: عبدالله الكناني

تمضي المملكة العربية السعودية -بعون الله وتوفيقه- بخطوات واثقة نحو بناء منظومة طاقة متكاملة ومتنوعة، وتؤكد اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية مع الولايات المتحدة الأمريكية أن رؤية المملكة لم تعد تقتصر على تنمية قطاع الطاقة التقليدية، بل تمتد إلى استشراف مستقبل أكثر استدامة يعتمد على المعرفة والتقنيات المتقدمة والشراكات الدولية النوعية.

وتجسد الاتفاقية السعودية ،الأمريكية مستوى الثقة المتبادلة بين البلدين، وتعكس متانة الشراكة الإستراتيجية، كما تؤكد المكانة التي أصبحت المملكة تتبوأها في منظومة الطاقة العالمية، ليس بوصفها أكبر مصدر للنفط فحسب، وإنما باعتبارها دولة تقود تحولًا متوازنًا نحو جميع مصادر الطاقة، وفي مقدمتها الطاقة النووية السلمية.

ووضعت *رؤية المملكة 2030* منذ انطلاقها هدفًا واضحًا يتمثل في تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد لإنتاج الكهرباء، بما يعزز كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، ويرفع مستوى الاستدامة الاقتصادية والبيئية. 
ومن هذا المنطلق، تشكل الطاقة النووية السلمية ركيزة أساسية لدعم أمن الطاقة، وتوفير إمدادات كهربائية مستقرة، والإسهام في خفض الانبعاثات الكربونية، وتحقيق مستهدفات التحول في قطاع الطاقة.

ولا تقتصر أهمية البرنامج النووي السلمي على إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى مجالات حيوية تشمل تحلية المياه، والتطبيقات الطبية، والصناعة، والبحوث العلمية، والزراعة، وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في تشخيص الأمراض وعلاجها، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الاقتصاد الوطني، ويدعم بناء صناعات معرفية متقدمة.

وتؤكد الاتفاقية في الوقت ذاته التزام المملكة بتطبيق أعلى معايير الأمن والأمان النوويين، وتلتزم بالاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بعدم الانتشار النووي، الأمر الذي يعزز ثقة المجتمع الدولي في البرنامج النووي السعودي، ويبرهن على أن المملكة تنطلق من مسؤولية دولية ورؤية تنموية واضحة.

ويمثل التعاون مع الولايات المتحدة فرصة مهمة لتوطين التقنيات النووية، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وبناء قاعدة صناعية متقدمة، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وخلق وظائف ذات قيمة مضافة، بما يتوافق مع مستهدفات *رؤية المملكة 2030*  في تنمية رأس المال البشري .

وتحمل الاتفاقية أبعادًا جيوسياسية واقتصادية مهمة، إذ تعزز مكانة المملكة شريكًا رئيسيًا في رسم مستقبل أسواق الطاقة العالمية، وتوسع نطاق التعاون في مجالات الابتكار والتقنيات المستقبلية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويدعم الاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

وأثبتت المملكة خلال السنوات الماضية قدرتها على إدارة التحول في قطاع الطاقة بكفاءة عالية، إذ واصلت الاستثمار في النفط والغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف، فيما تضيف اليوم الطاقة النووية السلمية إلى منظومة وطنية متكاملة تعزز أمن الطاقة، وترفع كفاءة الاقتصاد، وتمنح المملكة مرونة أكبر في مواجهة التحديات المستقبلية.

ولا يمثل بناء برنامج نووي سلمي مشروعًا قصير الأجل، بل يشكل مشروعًا حضاريًا طويل المدى، ويستدعي الاستثمار في الإنسان، وتطوير التشريعات، وتعزيز البحث العلمي، وبناء المؤسسات القادرة على قيادة هذا القطاع الحيوي بكفاءة واقتدار.

وتؤكد اتفاقية التعاون النووي السلمي بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية أن المملكة تدخل مرحلة جديدة من مسيرة التنمية الوطنية، وتعزز حضورها في قطاع الطاقة العالمي، وترسخ مكانتها مركزًا إقليميًا للتقنيات المتقدمة، بما ينسجم مع رؤيتها الطموحة لبناء اقتصاد مزدهر ومستدام.

وتستثمر المملكة اليوم في المستقبل بقدر ما تستثمر في الطاقة، وتبني منظومة وطنية تُوطّن التقنية، وتؤهل الكفاءات، وتوسع الشراكات الدولية، وترسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها *التنمية المستدامة والابتكار والريادة*، لتواصل مسيرتها بثقة نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار.