النهار

٠٧ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يوليو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني

ليست المشكلة الحقيقية في كثير من المؤسسات أنها تفتقر إلى الخطط الاستراتيجية، وإنما تكمن المشكلة في أن بعض تلك الخطط تُصاغ لتبدو جميلة في أعين الزائرين وجهات الاعتماد؛ ولأنها تزخر بالرسومات الملونة والنماذج الحديثة والمصطلحات الإدارية الرنانة التي تمنح القارئ انطباعًا أوليًا بالاحترافية العالية دون أن يجد بعد سنوات من تطبيقها أثرًا ملموسًا على مستوى الأداء المؤسسي أو جودة المخرجات أو تحقيق المستهدفات التي وُعد بها المجتمع وأصحاب المصلحة، فتتحول الخطة إلى وثيقة للعرض أكثر من كونها خارطة طريق للتنفيذ.
إن الخطة الاستراتيجية لا تُقاس بعدد صفحاتها، ولا بحجم الجهد المبذول في تصميمها وإخراجها الفني وإضافة الجداول والأشكال والزخارف البصرية التي تمنحها مظهرًا احترافيًا يخطف الأنظار في الاجتماعات والمؤتمرات بينما تبقى أهدافها بعيدة عن الواقع العملي الذي تعيشه المؤسسة بكل تحدياته وإمكاناته البشرية والمالية والتنظيمية، وإنما تُقاس بما تحققه من نتائج قابلة للقياس، وبما تُحدثه من تحول حقيقي في الأداء يجعل كل موظف يدرك أن ما كُتب في الوثيقة ليس كلمات إنشائية قابلة للنسيان وإنما التزام مؤسسي يجب أن ينعكس على العمل اليومي وعلى مستوى الإنجاز في كل إدارة وكل وحدة تنظيمية داخل المؤسسة.
وعندما تعلن مؤسسة بعد انتهاء مدة خطتها الاستراتيجية أنها لم تحقق هدفًا واحدًا من أهدافها فإن ذلك لا يكشف عن ضعف التنفيذ وحده وإنما يكشف عن وجود خلل عميق في الثقافة المؤسسية التي سمحت بوجود أهداف لا يتابعها أحد ولا يقيسها أحد ولا يسأل المسؤولين عنها أحد حتى انتهت السنوات كما بدأت دون مراجعة جادة أو محاسبة حقيقية أو تصحيح للمسار في الوقت المناسب؛ لأن المؤسسات الناجحة لا تنتظر نهاية الخطة حتى تكتشف حجم الإخفاق.
إن الأهداف الاستراتيجية الدقيقة تُربك الإدارات التي لا تؤمن بثقافة المساءلة؛ لأنها تحدد المسؤول عن كل هدف وتحدد الزمن اللازم لتحقيقه وتحدد مقدار الميزانية المطلوبة وتحدد مؤشرات الأداء التي سيُقاس بها النجاح أو الإخفاق بصورة لا تترك مجالًا واسعًا للاجتهاد في تفسير النتائج أو البحث عن المبررات بعد انتهاء فترة التنفيذ بينما تمنح الأهداف الفضفاضة مساحة واسعة للهروب من المسؤولية، ولأن العبارات العامة يمكن تفسيرها بأكثر من معنى ويمكن الادعاء بتحقيقها دون وجود دليل رقمي أو مؤشر علمي يثبت صحة ذلك بصورة موضوعية يمكن للجميع التحقق منها.
ولهذا فإن التخطيط الاستراتيجي الحقيقي لا يبدأ بكتابة الرؤية والرسالة، وإنما يبدأ بتحليل الواقع بكل تفاصيله وتشخيص مكامن القوة والضعف والفرص والتحديات اعتمادًا على بيانات دقيقة ومؤشرات موثوقة ودراسات علمية تجعل كل هدف استراتيجي مرتبطًا بحاجات المؤسسة الحقيقية وليس بما ترغب الإدارة في سماعه أو عرضه أمام الآخرين، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة التنفيذ التي تُترجم فيها الأهداف إلى برامج ومبادرات ومشروعات تنفيذية محددة بمواعيد زمنية ومسؤوليات واضحة وميزانيات معتمدة وآليات متابعة دورية وتقارير تقيس نسبة الإنجاز أولًا بأول حتى لا تتحول الخطة إلى أمنيات مؤجلة.
كما أن المؤسسة التي لا تمتلك فريقًا متخصصًا في التخطيط والمتابعة، ولا تملك كوادر تمتلك الخبرة العلمية والعملية في تحويل الأهداف الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس والتقويم والتطوير المستمر وفق أفضل الممارسات الإدارية الحديثة فإنها في الحقيقة لا تعاني من نقص في الوثائق، وإنما تعاني من غياب العقل المؤسسي الذي يستطيع أن يحول الأفكار إلى إنجازات والخطط إلى نتائج والميزانيات إلى أثر تنموي ينعكس على المستفيدين بصورة مباشرة.
ومن المؤسف أن بعض المؤسسات تنفق مبالغ كبيرة على إعداد الخطط الاستراتيجية ثم تتعامل معها بعد اعتمادها وكأنها شهادة تعلق على الجدران أو ملف يوضع في المكتبات أو وثيقة تُستعرض في الزيارات الرسمية دون أن تكون مرجعًا يوميًا لاتخاذ القرار أو معيارًا لتقييم القيادات أو أداةً لمراجعة الأداء وتصحيح الانحرافات التي قد تظهر أثناء التنفيذ، ولذلك تتكرر الأخطاء، وتتبدل الإدارات وتتعاقب السنوات بينما تبقى الخطة كما هي دون أن يتحقق منها إلا الحبر الذي كُتبت به والكلمات التي امتلأت بها صفحاتها.
ولهذا فإن المؤسسات التي تصنع النجاح لا تبحث عن أكثر الخطط جمالًا، وإنما تبحث عن أكثرها قدرة على تحويل الرؤية إلى واقع والأهداف إلى إنجازات والمبادرات إلى نتائج قابلة للقياس يمكن للمجتمع أن يراها ويلمس أثرها في جودة الخدمات وكفاءة الأداء واستدامة التطوير؛لأن الاستراتيجية الحقيقية ليست وثيقةً تُقرأ بل منظومة عمل متكاملة تجعل كل يوم يمر يقرب المؤسسة خطوة جديدة من أهدافها وفق مؤشرات واضحة ومسؤوليات محددة ومتابعة مستمرة ومحاسبة عادلة لا تسمح بأن تضيع السنوات دون أن يتحقق هدف واحد من الأهداف التي كُتبت من أجل مستقبل المؤسسة.