النهار

٠٦ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ يوليو-٢٠٢٦       4455

بقلم- جمعان الكرت

كثيرًا ما أتساءل: هل نحن الذين نكتشف المكان، أم أن المكان هو الذي يكتشفنا؟
سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه كلما طال التأمل فيه اتسعت دوائره. وكثيرًا ما كنت أظن أن الإنسان هو بطل الرحلة، يحمل حقيبته، ويشد رحاله، ويطرق أبواب المناطق والمدن والقرى، حتى أدركت بعد تجارب عديدة أن المكان ليس جمادًا ينتظر زائريه، بل كائن حي، له ذاكرة وروح، يختبر الداخل إليه قبل أن يمنحه شيئًا من أسراره.
فالإنسان قد يزور المكان ساعة، أو يومًا، أو أسبوعًا، ثم يغادره دون أن يعرف منه إلا اسمه وبعض ملامحه. أما إذا منحه الوقت، وأنصت إلى صمته، ومشى في طرقاته القديمة، وجالس أهله، وأحب تاريخه، فإن المكان يبدأ شيئًا فشيئًا في كشف نفسه له، حتى يشعر أنه لم يعد زائرًا، بل صار جزءًا من حكايته.
ولعل خير ما اختبر لي هذه الفكرة إقامتي عدة أشهر في منطقة عسير. دخلتها كما يدخل أي مسافر مكانًا جديدًا، ثم خرجت منها وأنا أشعر أنني لم أكتشف عسير وحدها، بل اكتشفت نفسي من خلالها.
كانت البداية مع الإنسان، لأن الإنسان هو أول أبواب المكان. فلقائي بالشاعر الأستاذ أنور خليل رئيس النادي الأدبي سابقًا كان أكثر من لقاء عابر؛ كان مفتاحًا لقراءة عسير قراءة مختلفة. كان يتحدث عن المكان حديث من عاشه، لا من حفظ تاريخه، ويرى في الجبل شخصية، وفي الوادي ذاكرة، وفي القرية روحًا لا مجرد بيوت متجاورة. ومنذ تلك اللحظة أدركت أن الأمكنة لا تُقرأ في الخرائط، بل في عيون أهلها.
ثم توالت اللقاءات مع عدد من الأدباء والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالتراث، ومن بينهم الباحث التاريخي  الدكتور محمد آل زلفه  والإعلامي الكبير ناصر القرعاوي  والشاعر المرهف عبدالله الشريف  والمسرحي والأديب أحمد السروي  والأستاذ أحمد عسيري مدير بيت الثقافة  والأستاذ مسفر الطلحي والأستاذ سعد أبو شابل وغيرهم وكل واحد منهم كان يضيف سطرًا جديدًا إلى كتاب عسير. ولم أكن أجمع أسماء بقدر ما كنت أجمع مفاتيح لفهم المكان؛ فكل حديث كان يفتح بابًا، وكل رواية كانت تكشف جانبًا من شخصية هذه المنطقة العريقة.
بعد ذلك بدأت أقرأ عسير بعين أخرى؛ بعين تمهلت أكثر مما نظرت. ففي منتزه الأمير سلطان لم تكن الأشجار وحدها هي الجميلة، بل ذلك الانسجام بين الطبيعة والإنسان. كانت المسارات والجلسات الموزعة بعناية تقول إن المكان لا يكتمل بجماله الفطري، بل يزدهر حين يحسن الإنسان رعايته.
وفي القرى التراثية، مثل المسقي وآل ينفع، بدا الزمن وكأنه يسير بخطوات أبطأ. هناك لا يعود الحجر مادة للبناء، بل وثيقة تاريخية، ولا يصبح الطريق القديم مجرد ممر، بل ذاكرة تمشي عليها الأقدام. كنت أستمع إلى الأستاذ أحمد العريسي وهو يروي تفاصيل قريته بمحبة العارف، فأشعر أن المكان يتحدث بلسانه، وأن الحكايات القديمة ما زالت تجد من يحفظها ويورثها للأجيال.