بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
يسهل على المتابع للشعر الشعبي أن يجد شعراء يجيدون النظم، وأن يعثر على شعراء يمتلكون جزالة اللفظ أو حسن القافية ؛ لكنه قلّما يجد شاعرًا اجتمعت له أدوات الشعر كلها حتى أصبح مدرسة قائمة بذاتها.
ومن هؤلاء الشاعر سعيد بن هضبان الحارثي ، الذي يُعد في نظر كثير من المتابعين أحد أبرز شعراء العرضة والشعر الشعبي في جيله، بل شاعرًا صنع لنفسه مكانة لا ينازعه عليها إلا القليل.
منذ نعومة أظافره ؛ ارتبط سعيد بن هضبان بالشعر ارتباط الفطرة قبل التعلّم، فشبّ وهو ينهل من معين الموروث القبلي، ويحفظ لغة الآباء والأجداد، ويتشرّب السلوم والعادات التي تُشكّل روح القصيدة الشعبية الأصيلة.
لذلك ؛ لم يكن شعره طارئًا على الميدان، بل كان امتدادًا طبيعيًا لذاكرةٍ ثقافيةٍ عميقةٍ حفظت له أصالة المفردة وسلامة المعنى.
وقال أبو هلال العسكري: «خير الكلام ما شُغِلَت به القلوب قبل الآذان»، وهي عبارة تكاد تختصر سرّ حضور سعيد بن هضبان؛ فشعره لا يكتفي بحسن اللفظ، بل يبلغ موضعه من الوجدان، فتسبق معانيه وقع ألفاظه.
ولعل سرّ تميّزه أنه لم يتعامل مع الشعر بوصفه حرفةً تُمارس، بل بوصفه حياةً تُعاش.
فالكلمات عنده ليست ألفاظًا مرصوفة ؛ وإنما مواقف، والمعاني ليست زينةً للقصيدة، وإنما روحها النابضة.
ولذلك ؛ جاءت قصائده صادقةً كأنها خرجت من وجدان الناس قبل أن تخرج من لسان الشاعر.
وإذا كان لكل شاعرٍ لقبٌ يختصر تجربته ؛ فإن سعيد بن هضبان يستحق عن جدارة لقب «ملك التسليمات»؛ ذلك أن التسليمة عنده ليست مجرد انتقالٍ من معنى إلى معنى، بل بناءٌ فنيّ محكم يجعل البيت يسلّم أخاه كما تتعانق حلقات السلسلة الواحدة..ينساب شعره بسلاسةٍ آسرة، حتى يخيّل للسامع أن القصيدة وُلدت دفعةً واحدة، بينما هي في الحقيقة ثمرة موهبةٍ راسخة وخبرةٍ طويلة.
أما القافية ؛ فهي عنده مملكةٌ يعرف طرقها ومسالكها، ويتصرف فيها بثقة الشاعر المتمكن، فلا تبدو القافية عبئًا يقيّد المعنى، بل جسرًا يوسّعه ويمنحه بريقه الخاص.
ولهذا استحق أن يُوصف بـ «أمير القافية»؛ إذ يأتي البيت عنده متين السبك، قوي الدلالة، سلس الجريان.
ويتميز شعر سعيد بن هضبان بأنه لا يعتمد على الزخرفة اللفظية وحدها، بل يحمل روح الموقف..فهو شاعر يدرك أن القصيدة الشعبية ليست كلماتٍ موزونة فحسب ؛ وإنما سجلّ للمروءة، ومرآة للقيم، ولسانٌ للقبيلة، وصوتٌ للوجدان الجمعي.
لذلك ؛ تجد في شعره الحكمة حينًا، والفخر حينًا، والوصف حينًا، والوفاء حينًا آخر، وكل ذلك بلغةٍ قريبة من الناس، بعيدة عن التكلّف والتصنع.
وقد أدرك أن المحافظة على الموروث لا تعني الوقوف عند حدوده؛ فكما يقول العرب: «من حفظ القديم أضاف إلى الجديد».
ولذلك ؛ ظل وفيًّا لروح الشعر الشعبي وأصوله، دون أن يفقد قدرته على التجدد ومخاطبة الذائقة المعاصرة.
والشعراء كثير ؛ غير أن القليل منهم من يتحول إلى معيارٍ يُقاس به غيره. فالقصيدة الجميلة قد تُطرب السامع ساعة، أما الشاعر الكبير فيصنع ذائقةً تستمر سنوات.
ومن هذا الباب ؛ يأتي حضور سعيد بن هضبان ، إذ لم يكتف بإجادة الشعر، بل أسهم في ترسيخ معاييره، حتى غدا اسمه حاضرًا كلما ذُكرت جزالة اللفظ، وإحكام التسليمة، وسلاسة القافية.
وقد منحته هذه الخصائص حضورًا استثنائيًا في ميادين الشعر والمحافل الشعبية ؛ فأصبح اسمًا مألوفًا لدى جمهور الشعر، وصوتًا ينتظره السامعون، لما يعرفونه فيه من قدرةٍ على إشعال الحماسة وإحياء المعنى وإمتاع الذائقة.
وليس الشعر في حقيقته صناعة ألفاظٍ بقدر ما هو صناعة أثر؛ ولذلك بقيت قصائد كثيرة في بطون الكتب، بينما بقيت قصائد أخرى في صدور الرجال. وسعيد بن هضبان من أولئك الشعراء الذين كتبوا حضورهم في الذاكرة قبل أن يكتبوه في الدواوين.
وإذا كانت الأمم تحفظ تاريخها في الكتب ؛ فإن القبائل تحفظ كثيرًا من مآثرها في الشعر.
ومن حسن حظ الشعر الشعبي أن فيه شعراء حملوا أمانته بصدق واقتدار، وكان سعيد بن هضبان واحدًا منهم؛ شاعرًا جمع بين أصالة الموروث، وقوة الموهبة، ونبل الحضور، فاستحق مكانته التي لم تأتِ من فراغ، بل من رحلةٍ طويلةٍ مع الكلمة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال فيه أن بعض الشعراء يكتبون القصيدة، وبعضهم ينشدها، أما سعيد بن هضبان فقد عاشها حتى أصبحت جزءًا من هويته، وأصبح هو جزءًا من ذاكرتها؛ ولذلك لم يكن مجرد شاعرٍ ناجح، بل أحد الوجوه التي منحت الشعر الشعبي شيئًا من هيبته، ومنحت القصيدة شيئًا من خلودها.