الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يونيو-٢٠٢٦       2915

بقلم- د. غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري

تشير الإحصاءات إلى تراجع معدل الإنجاب في المملكة العربية السعودية من معدل (7) مواليد للمرأة الواحدة في عام 1981م إلى معدل مولودين اثنين في عام 2022م، وهو تحول ديموغرافي كبير يستحق التأمل والدراسة، غير أن التعامل مع هذه الأرقام بوصفها مؤشرات سكانية مجردة قد يحجب عنا جانبا مهما من الحقيقة؛ فالأرقام في كثير من الأحيان ليست سوى انعكاس كمي لتحولات أعمق تجري في بنية المجتمع وطبيعة الإنسان وأسلوب حياته.

فخلال العقود الأخيرة شهدت المجتمعات ـ ومنها المجتمع السعودي ـ تحولات اقتصادية وتعليمية وثقافية متسارعة أسهمت في إعادة تشكيل كثير من المفاهيم المرتبطة بالزواج والأسرة والإنجاب، وقد صاحب ذلك ارتفاع في تكاليف الحياة، وتغير في أنماط السكن والمعيشة والعمل، وتأخر في سن الزواج لدى شريحة كبيرة من الشباب والفتيات، فضلاً عن تغير الأولويات وتبدل أنماط التفكير تجاه تكوين الأسرة وحجمها، وتفسير هذه الظاهرة من خلال هذه العوامل وحدها لا يبدو كافيا؛ فهناك تحولات أخرى أكثر هدوءا وأشد تأثيرا، تتعلق بصحة الإنسان الجسدية والنفسية وطريقة تفاعله مع الحياة من حوله، فقد أدى الانتقال من نمط المعيشة النشط إلى نمط يغلب عليه الجلوس الطويل أمام الشاشات والأجهزة الذكية إلى تراجع مستوى النشاط البدني، وارتفاع معدلات السمنة واضطرابات النوم والإجهاد المزمن، وهي عوامل لا تنعكس على جودة الحياة فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاستقرار النفسي والصحة الإنجابية والقدرة على تحمل أعباء الحياة الأسرية.

كما أسهمت العادات الغذائية الحديثة، وما صاحبها من انتشار الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة والمشروبات الغازية وعالية السكر في خلق تحديات صحية متزايدة لدى الأجيال الجديدة، ولم تعد المشكلة الصحية مرتبطة بندرة الغذاء كما كان الحال في أزمنة سابقة، بل بوفرة غذائية ولكنها تفتقر  في كثير من الأحيان إلى التوازن والجودة.

وفي جانب آخر: أعادت التقنية تشكيل الوعي الاجتماعي بصورة غير مسبوقة، فالإنسان لم يعد يقارن نفسه بدائرة محدودة من الأقارب والجيران كما كان في السابق، بل أصبح يعيش يوميا وسط سيل من الصور والنماذج والقصص التي تعرضها منصات التواصل الاجتماعي، وبينما تُعرض هذه النماذج غالبا في أفضل صورها وأكثرها جاذبية، ينشأ لدى كثير من الناس تصور مثالي للحياة والعلاقات والنجاح، فتتضخم التوقعات وتزداد المقارنات ويصبح الرضا أكثر صعوبة.

ومن هنا تظهر مفارقة لافتة؛ فكلما ازدادت الخيارات أمام الإنسان ازدادت حيرته، وكلما ارتفعت معايير الرفاهية ارتفعت معها المخاوف من تحمل المسؤولية، ولذلك لم يعد بعض الشباب يؤخر الزواج أو يقلص حجم الأسرة بسبب العجز عن تحمل الأعباء فحسب، بل بسبب تضخم الصورة الذهنية للحياة المثالية التي يعتقد أنه مطالب بتحقيقها قبل الإقدام على أي خطوة جديدة لها علاقة بالزواج أو الانجاب.

غير أن النظر إلى تراجع معدلات الإنجاب بوصفه قضية اقتصادية أو اجتماعية فقط لا يكفي لفهم أبعادها الحقيقية؛ فالمسألة في جوهرها سؤال حضاري يتعلق بشكل الإنسان القادم: كيف يعيش؟ وكيف يبني علاقاته؟ وما الذي يعتبره نجاحا حقيقيا وله معنى في حياته.
فالتحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات في العقود الأخيرة لم تهدم الأسرة بصورة مباشرة، لكنها أضعفت كثيرا من الدوافع التي تقوم عليها بهدوء وتدرج، فالإنسان المعاصر يعيش تحت وطأة تدفق هائل من المعلومات والصور والمقارنات والخيارات، الأمر الذي أرهق نفسيته، واستنزف انتباهه، وضخّم توقعاته من الحياة والناس والعلاقات، حتى أصبح الاستقرار لدى بعضهم يُنظر إليه بوصفه عبئا يقيد الحرية أكثر من كونه مصدرا للسكينة والطمأنينة.

واللافت أن التقنية لم تعد مجرد أداة نستخدمها في إنجاز أعمالنا، بل تحولت إلى بيئة متكاملة تعيد تشكيل وعينا وسلوكنا وتصوراتنا، فهي تؤثر في الذوق، وتعيد توجيه الانتباه، وتضعف القدرة على الصبر، وتغير مفهوم العلاقات الإنسانية، بل وحتى نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين. 
ومن خلال هذا التأثير المتراكم تتشكل أجيال جديدة تنظر إلى الحياة والأسرة والنجاح بمعايير مختلفة عن تلك التي عرفتها المجتمعات عبر تاريخها الطويل، ولهذا فإن التحدي الحقيقي في السنوات القادمة قد لا يكون الفقر المادي بقدر ما سيكون مواجهة أشكال جديدة من الفقر الإنساني؛ كالفقر العاطفي، والتشتت الذهني، وضعف الروابط الاجتماعية، والإرهاق النفسي المزمن، وهي تحديات لا تقل أثرا في استقرار المجتمعات عن التحديات الاقتصادية، بل قد تكون أكثر عمقا وأبعد تأثيرا؛ لأنها تمس الإنسان من الداخل قبل أن تمس واقعه الخارجي.

إن المجتمعات القادرة على تحقيق التوازن بين التقدم التقني والاحتياجات الإنسانية، وبين التنمية الاقتصادية واستقرار الأسرة، وبين الإنجاز المادي والصحة النفسية، هي الأقدر على المحافظة على تماسكها الاجتماعي واستمرارها الحضاري، فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بما تملكه المجتمعات من أدوات وتقنيات فحسب، وإنما بقدرتها على بناء إنسان متوازن يجد في الأسرة معنى، وفي العلاقات الحقيقية سكينة، وفي المسؤولية امتدادا حقيقيا لحياته وأثره في المستقبل.

فقضية الإنجاب ليست مجرد أرقام تُسجل في التقارير السكانية، بل هي مرآة تعكس صورة المجتمع وقيمه وأولوياته، وحين نقرأ تراجع المواليد قراءة عميقة، فإننا لا نبحث عن تفسير لانخفاض رقم إحصائي فحسب، بل نحاول أن نفهم التحولات التي طرأت على الإنسان نفسه، وعلى نظرته للحياة والأسرة والمستقبل، فالمجتمعات تُبنى بالإنسان القادر على الموازنة بين طموحه ومسؤوليته، وبين حريته والتزامه، وبين التقدم المادي واحتياجاته الإنسانية العميقة.