النهار

١٠ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ يونيو-٢٠٢٦       2970

بقلم- علي بن عيضة المالكي

يبدو العنوان ملفتًا قليلاً لكنها الحقيقة، فأكثر الناس لا يستطيعون قراءة المواقف بصورة صحيحة، لذلك يقع الكثير منهم في الخطأ ولا يدركون ذلك إلا بعدما تقع المشكلات.
إن أكبر مشكلة في الحياة هي مواجهة المواقف الصعبة بضعف واهتزاز ولكن المشكلة الكبرى ليست هنا، المشكلة الكبرى في الحياة أن نسيء فهم المواقف نفسها. فكثير من الخلافات التي أرهقت العلاقات، وكثير من القرارات التي ندم أصحابها عليها، لم تكن نتيجة سوء الواقع بقدر ما كانت نتيجة سوء القراءة.
الإنسان يرى الموقف من زاويته الخاصة، ويظن أحيانًا أن ما يراه هو الحقيقة كاملة، بينما الحقيقة أوسع من ذلك بكثير. فالكلمات التي تسمعها ليست كل القصة، والتصرفات التي تراها ليست كل الدوافع، وردود الأفعال الظاهرة ليست دائمًا انعكاسًا دقيقًا لما يختبئ في الداخل.
القراءة الناضجة للمواقف تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن التسرع في تفسير الأحداث. فليس كل صامت متكبرًا، وليس كل ناقد عدوًا، وليس كل مختلف معك يسعى لإيذائك. هناك ظروف لا تراها، وضغوط لا تعلمها، وتجارب صنعت قناعات الآخرين قبل أن يلتقوا بك بسنوات طويلة.
كلما ارتفع مستوى الوعي لدى الإنسان أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحدث وتفسيره. الحدث حقيقة، أما التفسير فهو اجتهاد بشري قد يصيب وقد يخطئ. هنا يبدأ الاتزان؛ لأن العقل الواعي لا يسارع إلى بناء الأحكام على الانطباعات الأولى، بل يمنح نفسه فرصة للفهم قبل التقييم.
أغلب الناس لا يعيشون داخل الواقع، بل داخل تفسيرهم للواقع.
هذه الحقيقة البسيطة تفسر جانبًا كبيرًا من الصراعات التي تستنزف الأعمار، وتفسر كذلك لماذا يتشابه الحدث وتختلف نتائجه من شخص إلى آخر. فالموقف الواحد قد يمر على مئات الأشخاص، فيراه أحدهم فرصة، ويعدّه آخر تهديدًا، ويعتبره ثالث درسًا عابرًا. لم يتغير الموقف، الذي تغير هو العقل الذي قرأه.
المشكلة أن الإنسان لا يرى الأشياء كما هي، وإنما كما هو بذاته.
إنه يحمل تجاربه القديمة، ومخاوفه، ورغباته، وأحكامه المسبقة، ثم ينظر من خلالها إلى العالم. وحين يفعل ذلك يظن أنه يقرأ المشهد، بينما هو في الحقيقة يقرأ انعكاس ذاته على المشهد.
لهذا السبب يقع كثيرون في أخطاء التقدير. يسمعون كلمة فيبنون عليها قصة كاملة، ويرون تصرفًا فينسجون حوله سلسلة من الاتهامات، ثم يتعاملون مع تلك التصورات وكأنها حقائق ثابتة. ومع مرور الوقت تصبح الفكرة التي صنعوها في أذهانهم أكثر حضورًا من الواقع نفسه.
ن يشك فيه ليس الآخرين، بل تفسيره الشخصي لما يراه.
فالنضج الفكري ليس أن تمتلك إجابة لكل شيء، وإنما أن تمتلك القدرة على تأجيل الحكم حتى تتضح الصورة.
إن الحياة أعقد من أن تختصرها في موقف فحسب، والناس أعمق من أن تعرفهم من كلمة واحدة، والعلاقات أكبر من أن تهدمها لحظة سوء فهم.
كل إنسان يقابلك يحمل داخله عالمًا كاملًا لا تراه. يحمل معارك خاضها بصمت، وخيبات لم يخبر بها أحدًا، وأحلامًا يحاول حمايتها من الانكسار. لذلك فإن التصرف الذي تراه أمامك ليس سوى الجزء الظاهر من جبل هائل من التجارب والدوافع والظروف.
حين تدرك هذه الحقيقة تتغير طريقة تعاملك مع البشر.
تتراجع الأحكام السريعة، ويزداد حضور الفهم.
تتعلم أن بعض القسوة تخفي ألمًا، وأن بعض الصمت يخفي حكمة، وأن بعض الانفعالات ليست موجهة إليك أصلًا، وإنما هي امتداد لمعركة داخلية يخوضها صاحبها مع نفسه.
ن القدرة على قراءة المواقف ليست مهارة اجتماعية فحسب، بل هي درجة من درجات الحكمة. والحكيم لا ينشغل بما قيل فقط، بل يبحث عن السبب الذي دفع إلى قوله. لا يتوقف عند الفعل، بل يتأمل الدافع الكامن خلفه. لا يكتفي بمشاهدة المشهد، بل يحاول فهم قوانينه الخفية.
ومن هنا يصبح العقل أكثر اتزانًا.
فلا يستفزه كل نقد، ولا تهزه كل شائعة، ولا تستدرجه كل معركة.
إنه يدرك أن كثيرًا من النزاعات التي تلتهم العلاقات لم تبدأ من سوء النوايا، وإنما من سوء القراءة.
كلما ارتفع وعي الإنسان اكتشف أن جزءًا كبيرًا من معاناة البشر ناتج عن تفسير متعجل، وأن كثيرًا من الجسور التي هُدمت كان يمكن أن تبقى قائمة لو منح أصحابها أنفسهم فرصة للفهم قبل الحكم.
لهذا فإن أعظم ما يمكن أن يتعلمه الإنسان ليس كيف يقرأ الكلمات، وإنما كيف يقرأ ما وراء الكلمات.
ليس كيف يرى المواقف، وإنما كيف يرى ما وراء المواقف.
هناك، في تلك المساحة الهادئة بين الحدث وتفسيره، يولد العقل الناضج، وتتشكل الحكمة، ويصبح الإنسان أقل صدامًا مع الناس، وأكثر انسجامًا مع الحياة.
فليست القوة في أن تمتلك رأيًا سريعًا، وإنما في أن تمتلك وعيًا عميقًا يجعلك ترى ما عجز الآخرون عن رؤيته.
عندها فقط تنتقل من مشاهدة العالم إلى فهمه، ومن الانفعال بالمواقف إلى إدراك معانيها، ومن ردود الأفعال العابرة إلى الحكمة التي تصنع حياة أكثر اتزانًا وسلامًا.