الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ مايو-٢٠٢٦       3080

بقلم ـ روان صالح الوذيناني

في يوم عرفة، حيث تتجه القلوب إلى السماء وتفيض الأرواح بخشوع الدعاء، يُحيي أهالي مكة الكرام عادة “يوم الخُليف”، تلك العادة الاجتماعية العريقة التي ارتبطت بأجواء الحج منذ زمنٍ طويل، وبقيت حاضرةً في الذاكرة جيلاً بعد جيل، لما تحمله من معانٍ إنسانية سامية تجسّد روح المؤانسة والتراحم بين الناس.

ومع انشغال الحجاج بأداء مناسكهم في المشاعر المقدسة، تبقى بعض النساء داخل الأحياء والبيوت لمؤانسة كبار السن والنساء ومن لم يُكتب لهم الحج، في صورة اجتماعية تنبض بالمحبة والوفاء، وتمنح المكان طابعًا مفعمًا بالسكينة والطمأنينة في أعظم أيام العام.

ويُعرف “الخُليف” لدى أهالي مكة الكرام بأنه يوم تتعاظم فيه معاني القرب والتآلف، حيث تجتمع النساء في المجالس المنزلية وسط أجواء يغلب عليها الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ، وتتردد الدعوات الصادقة لحجاج بيت الله الحرام بأن يتقبل الله حجهم، ويكتب لهم تمام النعمة وبلوغ المقصد والعودة سالمين إلى أهلهم وذويهم.

وتحرص مؤنسات الحرم على إحياء هذه العادة كل عام، بوصفها إحدى الصور الاجتماعية المرتبطة بموسم الحج، إذ يستقبلن النساء وكبيرات السن، ويقدمن القهوة والأطعمة الشعبية في أجواء يسودها الود والبِشر وحسن الاستقبال، بينما تتبادل الحاضرات الأحاديث التي تستعيد ذكريات الحج وأيامه المباركة، وما ارتبط بها من مواقف وقصص بقيت راسخة في الوجدان.

ولا يقتصر “الخُليف” على كونه اجتماعًا عابرًا، بل يمثل حالة وجدانية واجتماعية خاصة، تعبّر عن طبيعة المجتمع المكي وما عُرف عنه من ترابط وتكاتف وحرص على ألا يبقى أحد وحيدًا في هذا اليوم العظيم، خاصة ممن حالت بهم الظروف أو التقدم في السن دون أداء الحج.

كما يشهد هذا اليوم حضورًا متنوعًا لمختلف الأجيال، حيث تنقل الجدات للأحفاد الحكايات القديمة المرتبطة بالحج ويوم عرفة، وتروي تفاصيل العادات التي كانت تُمارس قديمًا في مكة المكرمة خلال موسم الحج، الأمر الذي يسهم في ترسيخ هذه القيم الاجتماعية في نفوس الأجيال الجديدة، ويُبقيها حيّة رغم تغيّر الزمن وتبدل مظاهر الحياة.

ويرى مهتمون بالشأن الاجتماعي أن استمرار “يوم الخُليف” حتى اليوم يعكس عمق الوعي المجتمعي لدى أهالي مكة الكرام بأهمية الحفاظ على العادات الأصيلة ذات البعد الإنساني، لما تحمله من قيم الوفاء والرحمة وصلة المجتمع بعضه ببعض، خصوصًا في المواسم التي تتجلّى فيها روحانية المكان وقدسية الزمان.

ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه العادة لم تكن يومًا مجرد تقليد اجتماعي، بل صورة من صور الاهتمام بالآخرين، وإحياء لمعاني المؤانسة في يومٍ تُفتح فيه أبواب الرحمة، وتُرفع فيه الدعوات، وتخشع فيه القلوب طلبًا للمغفرة والقبول.

ويبقى “يوم الخُليف” واحدًا من المشاهد الاجتماعية الهادئة التي تروي جانبًا من جمال العلاقات الإنسانية بين أهالي مكة الكرام، وتكشف كيف استطاع المجتمع، عبر السنين، أن يحفظ تفاصيله الأصيلة بروحٍ مفعمة بالمودة والإيمان، ليظل هذا اليوم شاهدًا على عمق الترابط الاجتماعي الذي يميّز أهل مكة في موسم الحج، وفي يوم عرفة على وجه الخصوص