بقلم - عبدالرحمن بن شديد الفهمي
التواضع فضيلة عظيمة، وهو تاج الأخلاق الذي يرفع صاحبه في أعين الناس قبل أن يرفعه عند الله. لكنه، كغيره من الفضائل، يحتاج إلى ميزان دقيق؛ فالإفراط فيه قد يحوّله من خُلُق نبيل إلى نقطة ضعف، ومن سموٍّ في النفس إلى انتقاصٍ من الذات.
الإسراف في التواضع ليس أن تحترم الآخرين، بل أن تنسى احترام نفسك. وليس أن تنسب الفضل لأهله، بل أن تتنازل عن حقك في الاعتراف بجهدك، حتى يعتاد الآخرون أن ينسبوا إنجازاتك إلى أنفسهم، ويعاملوا عطائك وكأنه واجب لا يستحق الشكر.
هناك من يظن أن الصمت عن الإهانة تواضع، وأن السكوت عن الظلم أدب، وأن التنازل المستمر عن الحقوق حسن خلق. والحقيقة أن التواضع لا يعني القبول بالإساءة، ولا يعني أن يعيش الإنسان معتذراً عن نجاحه، أو خجولاً من قدراته، أو متردداً في المطالبة بحقه.
وقد قيل: “اعرف قدر نفسك”، لأن من لا يعرف قيمته، سيجد من يقلل منها. فالناس يحترمون الواثق بنفسه أكثر مما يحترمون من يفرّط في مكانته باسم التواضع.
الإسراف في التواضع قد يصنع شخصيات تستنزفها المجاملات، وتستهلكها التنازلات، حتى تصبح آخر من يفكر في حقوقه، وأول من يُطلب منه التضحية. وحينها لا يكون التواضع فضيلة، بل يتحول إلى باب يستغله الانتهازيون، ويستثمره أصحاب المصالح.
والإنسان المتزن هو الذي يجمع بين التواضع وعزة النفس؛ يخفض جناحه للناس، لكنه لا يحني هامته إلا لله. يحترم الجميع، لكنه لا يسمح لأحد أن ينتقص من كرامته أو يقلل من شأنه. يعترف بفضل الآخرين، لكنه لا ينكر فضله على نفسه.
إن المجتمع لا يحتاج إلى متكبرين، كما لا يحتاج إلى أشخاص يلغون ذواتهم. وإنما يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون قدر أنفسهم، ويعاملون الناس بأدب، ويقفون بثبات عندما يتعلق الأمر بالكرامة والحقوق.
فالفضائل لا تبلغ كمالها إلا بالاعتدال. وكما أن الإسراف في المال تبذير، فإن الإسراف في التواضع قد يكون تبديداً للمكانة، وإهداراً للحقوق، وخسارةً للاحترام الذي لا يُمنح إلا لمن احترم نفسه أولاً
ومن أجمل صور التواضع أن يكون مقروناً بالثقة، فلا يرفع الإنسان نفسه فوق الناس، ولا يضعها تحت أقدامهم، بل يقف بينهم بقامةٍ مستقيمة، يعرف قدره، ويحفظ كرامته، ويمنح الآخرين الاحترام الذي يحب أن يلقاه
ctviz