النهار
بقلم ـ محمد السويعي
لم يعد موسم الحج مجرد عملية تنظيم تقليدية تعتمد على الجهود البشرية فقط، بل تحوّل اليوم إلى أحد أبرز النماذج العالمية لتوظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية، ضمن رؤية سعودية طموحة تهدف إلى الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وجعلها أكثر أمانًا وسلاسة وكفاءة. ومع استقبال المملكة ملايين الحجاج سنويًا من مختلف دول العالم، برزت تقنيات الذكاء الاصطناعي كعنصر محوري في إدارة هذه الشعيرة الإسلامية، بدءًا من مراقبة حركة الحشود، مرورًا بتحسين الخدمات الصحية، ووصولًا إلى تسريع الإجراءات وتسهيل تواصل الحجاج مع الجهات الخدمية بلغات متعددة.
وتعتمد الجهات المختصة اليوم على أنظمة ذكية مدعومة بالرؤية الحاسوبية وتحليل البيانات الضخمة لمتابعة حركة الحجيج بشكل لحظي داخل المشاعر المقدسة، بما يتيح التنبؤ بمناطق الازدحام قبل حدوثها، وتوجيه الحشود بكفاءة أعلى، الأمر الذي جعل المملكة تقدم نموذجًا عالميًا متقدمًا في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
وفي الجانب الصحي، ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز سرعة الاستجابة الطبية من خلال تحليل المؤشرات الحيوية للحجاج ومتابعة الحالات الصحية ميدانيًا، إلى جانب استخدام الأجهزة الذكية والحلول الرقمية لتقليل زمن الاستجابة للحالات الطارئة، خصوصًا خلال أوقات الذروة وارتفاع درجات الحرارة.
ومن أبرز المبادرات الرقمية التي تعكس هذا التحول، تبرز مبادرة "طريق مكة". فقد أسهمت المبادرة في إعادة صياغة تجربة الحاج منذ لحظة مغادرته بلده، عبر إنهاء إجراءات السفر والجوازات والتحقق من البيانات الحيوية في مطارات الدول المستفيدة قبل وصولهم إلى المملكة. وتعتمد المبادرة على منظومة رقمية متقدمة وتقنيات ذكية تسرّع إجراءات الدخول، وتقلل أوقات الانتظار، وترفع كفاءة إدارة تدفق الحجاج، بما يعكس حجم الاستثمار السعودي في توظيف التقنية والبيانات لتحسين تجربة ضيوف الرحمن ورفع جودة الخدمات المقدمة لهم.
كما أصبح التحول الرقمي جزءًا أساسيًا من رحلة الحاج منذ مرحلة التخطيط للسفر وحتى إتمام المناسك، عبر مجموعة من التطبيقات والمنصات الذكية التابعة لوزارة الحج والعمرة، التي تهدف إلى تسهيل الخدمات ورفع جودة تجربة ضيوف الرحمن. ومن بين أبرز هذه الحلول الرقمية، يبرز تطبيق "نسك"، الذي تحول إلى منصة رقمية متكاملة لإدارة رحلة الحج والعمرة، حيث يتيح للحاج إصدار التصاريح، واستعراض الخدمات، وحجز المواعيد، والوصول إلى المعلومات والإرشادات بشكل مباشر وسهل عبر الهاتف الذكي. وقد أوضحت وزارة الحج والعمرة أن التطبيق يقدم تجربة رقمية متكاملة تهدف إلى إدارة رحلة الحاج بوضوح وسهولة، بدءًا من لحظة النية وحتى إتمام المناسك، ضمن منظومة التحول الرقمي لخدمة ضيوف الرحمن. كما يتيح استخدام البطاقة الرقمية الخاصة بالحاج، إلى جانب متابعة جميع الخدمات المرتبطة بالرحلة في مكان واحد، بما يسهم في تحسين تجربة المستخدم وتيسير الإجراءات التنظيمية خلال موسم الحج.
وفي موازاة ذلك، تستخدم المملكة تقنيات متقدمة تشمل الطائرات بدون طيار، والروبوتات الذكية، وإنترنت الأشياء، ومنصات التحليل الفوري للبيانات، بهدف رفع كفاءة إدارة الطاقة والنقل والأمن والنظافة والاتصالات داخل المشاعر المقدسة، في تجربة تجعل من الحج أكبر مدينة ذكية مؤقتة في العالم.
ويرى مختصون أن ما يحدث اليوم في الحج يتجاوز مفهوم التحول الرقمي التقليدي، ليشكل مختبرًا عالميًا حيًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البيئات المعقدة وعالية الكثافة البشرية، وهو ما يعزز مكانة المملكة كإحدى الدول الرائدة عالميًا في توظيف التقنية لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة.
ومع استمرار السعودية في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، يبدو أن مواسم الحج المقبلة ستشهد مزيدًا من التقنيات التنبؤية والخدمات الذكية، التي ستجعل تجربة الحج أكثر أمانًا وسلاسة وكفاءة، في مشهد يجمع بين روحانية الشعيرة وأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة.