النهار
بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني
كان الناس قديمًا يعلّقون كل ما يعجزون عن تفسيره على شماعة الحظ، فإذا رأوا رجلًا خرج من ضيق الحياة إلى سعتها قالوا هذا محظوظ، وإذا شاهدوا آخر يكدح سنوات طويلة دون أن يصل إلى ما يستحقه قالوا هذا تعيس الحظ، حتى أصبح الحظ في الوعي الجمعي كائنًا خفيًا يوزّع الأرزاق والفرص والمكانة والنجاح بطريقة غامضة لا تخضع لمنطق واضح، مع أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من تلك النظرة السهلة التي تختصر العمر كله في كلمة واحدة؛ لأن الإنسان أحيانًا لا يخسر بسبب نقص موهبته، ولا بسبب ضعف اجتهاده، وإنما بسبب تأخر اللحظة المناسبة، أو غياب اليد التي تفتح الباب، أو وجوده في زمان لا يفهم قيمته، أو لأنه يملك عقلًا أكبر من البيئة التي تحيط به، فيبدو كمن يحمل كنزًا داخل سوق لا يعرف إلا تجارة الخردة.
الحظ ليس دائمًا ذلك الوميض الذي يجعل الإنسان غنيًا أو مشهورًا بين ليلة وضحاها، وإنما قد يكون شخصًا صادفك في الوقت المناسب، أو كلمة قيلت عنك أمام صاحب قرار، أو مصادفة صغيرة غيّرت مجرى حياتك بالكامل، ولذلك يشعر كثير من المبدعين أن حياتهم تشبه الركض داخل صحراء واسعة، يملكون القدرة على الوصول غير أن الطريق لا يمنحهم الإشارة التي تمنحها الحياة لغيرهم بسهولة عجيبة، فتجد رجلًا يملك قلمًا عاديًا وصوتًا عابرًا يحظى بكل أبواب التقديم والتلميع، بينما آخر يحمل مشروعًا فكريًا وثقافيًا حقيقيًا يبقى واقفًا على الرصيف الطويل ينتظر التفاتة قد لا تأتي، لا لضعف فيه، وإنما لأن دورة الحياة كثيرًا ما تتحرك وفق شبكة معقدة من العلاقات والمصادفات والتوقيتات التي لا يراها الناس.
ومع ذلك فإن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يتحول الحظ في داخله إلى عقيدة هزيمة؛ لأن بعض الناس كلما تعثر مرة سلّم روحه لفكرة أن الحياة أغلقت أبوابها في وجهه، فيجلس على أطلال الانتظار يراقب الآخرين وهم يعبرون ناسيا أن التاريخ الإنساني مليء بأشخاص تأخروا كثيرًا ثم جاءتهم اللحظة التي قلبت كل شيء، وأن كثيرًا من الذين نراهم اليوم في الواجهة لم يصلوا لأنهم الأفضل دائمًا، وإنما لأنهم استمروا حتى لحظة الانفراج، فالزمن أحيانًا يختبر قدرة الإنسان على الصبر أكثر مما يختبر موهبته.
ولعل أجمل ما قيل في الحظ أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع الريح، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يثبت قدميه حين تهب؛ لأن الحياة لا تعطي أحدًا عدالة كاملة، ولا تحرم أحدًا حرمانًا كاملًا، وإنما تمضي بين أخذ ورد، بين صعود وهبوط، بين أبواب تُغلق وأخرى تُفتح دون توقع، ولهذا فإن الإنسان الذكي لا يجعل الحظ سيدًا على روحه، ولا يسمح له بأن يسرق منه القدرة على المحاولة؛ لأن أكثر ما يهزم البشر ليس سوء الحظ، وإنما الاستسلام المبكر لفكرته.
أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ
وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلْأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا