النهار
بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليست الطماطم مجرد ثمرةٍ حمراء تتوسّط أطباق الطعام، بل حالة اقتصادية واجتماعية تمشي على إيقاعٍ متقلّب، حتى كأنها الكائن الزراعي الوحيد الذي يملك “مزاجًا” خاصًا به.
فهي ترتفع فجأة حتى يظنّها الناس فاكهةً نادرة، ثم تهبط بسرعةٍ تجعلها أقرب إلى الهبة المجانية، وكأن السوق لا يستقر معها على قرار.
ومن هنا ؛ التصق بها وصفٌ شعبي ساخر يردده أهل الأسواق: “المجنونة”؛ لا لأن فيها خللًا، بل لأن سلوكها السعري لا يخضع لخط مستقيم، بل لموجات متتابعة من الصعود والهبوط.
ولعلّ سرّ هذا التقلّب أنها ليست من الكماليات، بل من أساسيات المطبخ اليومي؛ حتى يقال في العرف الشعبي: "لا مطبخ بلا طماطم".
فهي حاضرة في الطبخ، والسلطات، والصلصات، بل وفي تفاصيل الوجبات البسيطة والمعقدة على حدّ سواء، حتى أصبحت أشبه بـ“نبض المذاق” الذي لا يكتمل الطعام بدونه.
ومن شدة التصاقها بحياة الناس ؛ يردد بعض الطهاة وربات البيوت: "إذا غابت الطماطم تغيّر طعم البيت كله".
وفي المقابل يختصر أهل الأسواق هذا الاعتماد اليومي بقولهم: "الطماطم تُشترى بالعادة قبل الحاجة".
أي أنها ليست قرارًا طارئًا، بل عنصر ثابت في السلة الغذائية، ما يجعل الطلب عليها دائمًا حاضرًا حتى في أوقات الغلاء.
ولذلك ؛ تتحرك أسعارها بعصبيةٍ لافتة؛ لأن السوق لا يتعامل معها بوصفها سلعة قابلة للتأجيل، بل كاحتياج يومي لا غنى عنه.
وهنا يردد بعض أهل التجربة: "الطماطم لا ترتفع وحدها، بل يسبقها خوف الناس قبل الطلب".
ومن زاوية الاقتصاد البحت ؛ تتجلى القاعدة الكلاسيكية التي تحدد حركة الأسعار؛ فكلما قلّ المعروض واشتدت الحاجة ؛ ارتفع السعر، وكلما تدفقت الكميات انهارت القيمة.
ولهذا تبدو الطماطم مثالًا حيًا على أن القيمة لا تُصنع من الشيء وحده، بل من لحظة وجوده ودرجة الاعتماد عليه.
وقد لخّص بعض الحكماء هذه الفكرة بقولهم: "كل ما دخل كل بيت، دخل معه اضطراب السوق".
وهي عبارة تكشف أن السلع اليومية ليست محايدة اقتصاديًا، بل شديدة الحساسية ؛ لأنها تعيش داخل تفاصيل الحياة لا خارجها.
لكن المفارقة ؛ أن السوق لا ينسى ما حدث بالأمس ، فحين ترتفع الأسعار في موسمٍ ما ؛ يتحول ذلك إلى إشارة مغرية تدفع المزارعين للتوسع، وكأن الجميع يسير خلف الضوء نفسه..وهنا تتكرر الحكمة الزراعية القديمة: "إذا اتفق الناس على زرعها، اتفقوا على خسارتها".
ومن زاوية أعمق ؛ يعلّق أهل الخبرة بقولهم: "إذا ارتفعت الطماطم تبعها الجميع، وإذا هبطت سبقها الجميع إلى الخسارة".
ويضيفون أيضًا: "الطماطم لا ترتفع وحدها، بل يسبقها خوف الناس قبل الطلب".
أما من خبروا هذا المجال طويلًا فيلخصونه بقولهم: "الربح ليس في ما يصرخ به السوق، بل في ما لا يلاحظه إلا المتأخرون".
ولذلك ؛ لا يدخل المحترفون وقت الضجيج، بل قبل أن يبدأ أو بعد أن ينتهي، حين يكون القرار أقل انفعالًا وأكثر وعيًا.
وفي التطبيق العملي ؛ لا يراها المستثمرون سلعة آنية فقط، بل دورة يمكن التعامل معها عبر التخزين، أو التصنيع، أو التوريد المنظم.
ولهذا يقول أحد المخضرمين: "الطماطم لا تُفهم في لحظتها، بل في دورتها".
ويضيف آخر: "الطماطم لا تكشف نفسها إلا لمن ينتظرها في صمت".
وفي النهاية ؛ تبقى الطماطم أكثر من مجرد محصول زراعي؛ إنها نموذج مصغّر لسلوك السوق حين يختلط الاحتياج اليومي بالمزاج الجمعي، وتتحول السلعة البسيطة إلى مؤشرٍ اقتصادي حيّ.
وهكذا تظل الطماطم، بكل تناقضاتها، جديرة بلقبها الذي استقر في الوعي الشعبي :
أميرةُ التقلّبات الزراعية!!