الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٦ مايو-٢٠٢٦       3740

بقلم: د. فضة بنت سالم العنزي 

حين تُفاجئكَ الحياةُ بلحظةٍ لم تكن تنتظرها، لحظةٍ تجمعُ في طيّاتها كلَّ ما بذلتَه على مدى سنين طويلة من عطاءٍ ومثابرةٍ لا تتوقف، تدركُ أنّ  التقدير  ليس مجرّد كلمةٍ تُقال أو جائزةٍ تُمنح، بل هو شعورٌ يُعيدُ ترتيبَ شيءٍ ما في أعماق الروح.

هذا ما حدث حين مَنَحَتني جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية جائزةَ تقدير المواهب في مجال الكتابة الأدبية، لحظةٌ أبهجتْ روحي وأسعدتْ أسرتي ومن يُحبّونني، وأشعلتْ في داخلي جذوةً من الدافعية دفعتني إلى أن أجمعَ ما كتبتُه عبر السنين.

'
حين جلستُ أُرتّبُ مسيرتي الأدبية وجدتُ أمامي ثلاثةً وثلاثين مقالاً، أقدمُها يعودُ إلى سبعةٍ وعشرين عاماً.

وأعلمُ يقيناً أنّ ثمّة كتاباتٍ سبقتْه فُقدت  في زمن ما قبل الرقمنة، حين كانت الكلماتُ تُولدُ على الورق ثمّ تُسلِّمُ روحها للنسيان.

كلُّ مقالٍ كان وليدَ لحظةٍ بعينها، حدثٍ أو مناسبةٍ استدعتْ قلمي وألحّتْ عليه أن يكتب، وهكذا هي الكتابة الحقيقية؛ لا تُقرِّرُها الإرادةُ وحدها بل يستدعيها الشعورُ حين يفيض.

وهو ما يحدثُ معي الآن تماماً وأنا أكتبُ هذه الكلمات محمولةً على موجةٍ من الامتنان لا تُوصَف ونبض يجعلنا على قيد الحياة ؛ فكان الكتيب بعنوان ؛ نبضات أكاديمية. 
كنتُ أرى معاليَ مديرَ الجامعة يجولُ بين أركان المبتكرين والموهوبين من طلاب الجامعة،  في مناسبات الجامعة المتعددة يمرُّ عليهم بدعمه وتشجيعه وسروره البادي، فلم يكن يخطرُ ببالي قطُّ أن يكونَ لي منصة  خاصٌّة يطّلعُ فيها على ما تحملُه سنواتي من كلمات، ومع ذلك كانَ.

بعد تسعةَ عشرَ عاماً من العطاء في رحاب هذه الجامعة، وقفتُ في ذلك اليوم المميز أستقبلُ تقديراً جمعَ حولي زملاءَ المديرين والعمداء والموظفين وبعضاً من طلابي الذين كانت لهم في قلبي منزلةٌ كبيرة.

يومٌ واحدٌ استطاعَ أن يُجسِّدَ ما تراكمَ في الصدر على مدى عقدَين من المشاعر.
وما زادَ ذلك اليومَ بهجةً فوقَ بهجة، أنّ فلذاتِ كبدي أبنائي كانوا بجانبي، يُشاركونني بحضورهم كلَّ تفاصيل تلك المناسبة الجميلة.

أن يرى أبناؤكِ بأمِّ أعيُنهم ما كنتِ تُحدِّثينهم عنه من محبّةِ زملائكِ ودفءِ بيئتكِ، وأن يشهدوا لحظةَ التكريم وهي تتشكّلُ أمامهم، فذلك ما لا يُعوِّضُه شيء.

كانوا يومَها أجملَ هديةٍ أضيفت إلى حفلِ الامتنان، وبحضورهم اكتملَ المعنى واتّسعَ الفرح.
والحقُّ يُقال إنّ التقديرَ لم يكن غائباً عن مسيرتي يوماً، فعلى مدار سنوات عملي عشتُ بين زملاءَ من مختلف الكلياتِ والأقسام لم أَرَى منهم غيرَ  التقدير  و الاحترامِ والتشجيعِ والدعم، من الزملاء الموظفين ومن طلابي الذين كانوا دوماً مصدراً لا ينضبُ من الدفء.

لكنّ هذا التكريمَ الرسميّ كانَ له وقعٌ مختلف، كأنّه المرآةُ التي تريكَ ما عشتَه بوضوحٍ أكبر وتُقنعُكَ أنّ ما أعطيتَه لم يذهبْ هباءً، وأنّ الجامعةَ التي أحببتَها لم تكن يوماً بحاجةٍ إلى تذكيرٍ بما تحملُه لها من وفاء.
لا تسعُني الكلماتُ لأوفيَ فريقَ الجائزة حقَّ امتناني ولا لأصفَ تفاصيلَ ذلك اليوم السعيد وصفاً يليق به، لكنّني أقولُ بكلِّ صدق إنّ هذا التكريمَ أضافَ إلى جودة حياتي النفسية ما لا تُقدِّرُه الجوائزُ بقيمتها المادية بل بما تُحدثُه من أثرٍ في الروح.

ممتنّةٌ لجامعتي التي هي عمري المهنيّ وأسرتي الثانية، جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، ولمعاليه الداعمِ والمشجِّع، ولكافة فريق إدارة شؤون الموظفين وتحديداً إدارة الارتباط الوظيفي التي أدارتْ هذا التكريمَ باحترافيةٍ واهتمام. والحمدُ لله على نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى.