الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ ابريل-٢٠٢٦       3190

بقلم : علي المالكي 

في زمن أصبحت فيه الكلمة سلعة لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير الحر بل تحوّل بعضها إلى بيئة خصبة لتجارة المواقف وشراء الأصوات. 
وعلى رأس هذه المنصات تبرز X (Twitter) التي فتحت أبوابها للعالم لكنها كغيرها لم تسلم من استغلال البعض لها كمنبر للهجوم المأجور على الدول ورموزها.
المشكلة لا تكمن في النقد المسؤول فالنقد حق مشروع وركيزة أساسية لأي مجتمع حي بل تكمن في ذلك النوع من الهجوم المنظم الذي يتجاوز حدود الرأي إلى صناعة محتوى مضلل قائم على الإثارة والتحريض مدفوع الثمن وموجه لخدمة أجندات خارجية أو مصالح شخصية ضيقة. 
هذا النمط من الحسابات لا يسعى لإقناع المتلقي بقدر ما يسعى لإثارة الجدل ورفع التفاعل لأن كل نقرة وكل إعادة نشر قد تعني عائدًا ماديًا إضافيًا.
لقد كشفت نماذج عدة حول العالم أن بعض الحسابات التي تهاجم الأوطان أو تشكك في استقرارها لا تتحرك بدافع قناعة بل ضمن منظومات رقمية تستثمر في الفوضى. 
تعتمد هذه الحسابات على أساليب مدروسة : تضخيم الأخطاء اجتزاء التصريحات نشر الشائعات ثم إعادة تدويرها في حلقات متواصلة حتى تبدو وكأنها (حقيقة عامة) . ومع تزايد برامج تحقيق الدخل عبر التفاعل أصبح هذا السلوك أكثر انتشارًا إذ تحوّل (الهجوم) إلى مصدر رزق لدى فئة لا يهمها أثر ما تنشره بقدر ما يهمها عدد المشاهدات.
في مواجهة هذا المشهد لا يكفي الغضب أو الرد العاطفي بل يتطلب الأمر وعيًا رقميًا ومسؤولية جماعية. 
أولى خطوات المواجهة هي إدراك أن التفاعل مع هذا النوع من المحتوى حتى لو كان بهدف الرد قد يساهم في انتشاره. 
لذلك فإن تجاهل الحسابات المسيئة أو اتخاذ خطوات نظامية مثل الحظر والإبلاغ يُعد وسيلة فعّالة لتجفيف منابع هذا الاقتصاد القائم على الإثارة.
وتوفر X (Twitter) أدوات واضحة تُمكن المستخدمين من الإبلاغ عن المحتوى المخالف سواء كان يتضمن إساءة أو معلومات مضللة أو حملات منسقة. 
هذه الأدوات ليست مجرد خيارات تقنية بل هي جزء من منظومة حماية الفضاء الرقمي وتعزيز جودة المحتوى فيه. 
وعندما يستخدمها الأفراد بوعي فإنهم يساهمون في تقليص مساحة الحسابات التي تعيش على إثارة الفوضى.
كما أن تعزيز الثقافة الرقمية لدى المستخدمين بات ضرورة لا ترفًا. 
فالمتلقي الواعي لا يُخدع بسهولة بالعناوين الصادمة أو المقاطع المجتزأة بل يبحث عن المصدر ويتحقق من السياق ويدرك أن ليس كل ما يُنشر يستحق التفاعل. 
هذه الثقافة تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة الحملات الموجهة لأنها تحرمها من الوقود الذي تعتمد عليه : الانتشار السريع.
في المقابل تبقى مسؤولية المنصات نفسها قائمة إذ يتعين عليها تطوير سياساتها وآلياتها لرصد الحسابات التي تستغل برامج الربح لنشر محتوى مضلل أو تحريضي. 
فحرية التعبير لا تعني السماح بتحويل المنصات إلى أدوات للإضرار بالمجتمعات أو زعزعة استقرارها.
واعلم يا عزيزي ان حماية صورة الوطن ليست مهمة جهة واحدة بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد وتمر عبر التفاعل المسؤول وتنتهي عند استخدام الأدوات النظامية المتاحة. 
فحين يدرك المستخدم أن عدم التفاعل قد يكون أبلغ من ألف رد وأن الإبلاغ قد يوقف سلسلة من الإساءة فإنه يكون قد ساهم فعليًا في قطع الطريق على من يحاول تحويل الهجوم إلى تجارة والكلمة إلى سلعة رخيصة.