النهار
بقلم ـ علي بن عيضة المالكي
يتكامل دور الصحافة والإعلام مع حضور الإعلامي ذو المهنية العالية، ليشكلا معاً منظومة فكرية وإنسانية قادرة على صناعة الفارق، وإضاءة الطريق في دنيا تتداخل فيها الحقائق مع الظلال، وتظل فيها الكلمة الصادقة هي البوصلة التي تهدي إلى الصواب.
ومع ما يقوم به كلاً من الإعلام والصحافة من دور بارز في تشكيل الوعي العام، وبناء المعرفة لدى الأفراد، وتوجيه الاهتمام نحو القضايا التي تمس حياة المجتمع. كونهما يمثلان نافذة يطل من خلالها الناس على الأحداث، ووسيلة لفهم ما يجري حولهم من تغيرات وتحولات؛ فإنه من الواجب أن يسهم الإعلامي في نقل الحقيقة وتوضيح الصورة، ويعمل على تبسيط المعلومات وتقديمها بأسلوب يصل إلى مختلف الفئات. كما يجب عليه أن يعزز قيم الحوار، ويهذب الفكر ويدعم ثقافة التفاعل، ويقرب المسافات بين مختلف وجهات النظر، فيسهم في بناء مجتمع أكثر إدراكًا وتوازنًا.
في الوقت ذاته فإن الصحافة، تمثل صوت المجتمع وذاكرته، تنقل همومه وتوثق قضاياه، وتسلط الضوء على ما يحتاج إلى إصلاح أو تطوير. تقوم بدور رقابي يهدف إلى تعزيز الشفافية، ودعم المسؤولية، وترسيخ مبادئ العدالة في نقل الخبر وتحليل الحدث.
ومع تطور الوسائل الإعلامية، اتسعت مساحة التأثير، وأصبح الإعلام أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية، مما زاد من حجم المسؤولية الملقاة على العاملين فيه. فالكلمة أصبحت ذات أثر مباشر، والمعلومة قادرة على تشكيل الرأي العام في لحظات قصيرة.
إنه وفي صميم المجتمعات الحية التي تصنع وعيها وتبني مستقبلها، وفي ظل تطور الأدوات الإعلامية واتساع رقعتها، يظهر دور الإعلامي النبيل بوصفه صورة صادقة لروح الناس، يحمل ملامحهم في حضوره، ويترجم إحساسهم في كلماته. حضوره لا يأتي من فراغ، إنما يتشكل من قربٍ حقيقي، ومن فهمٍ دقيق لتفاصيل الحياة اليومية، فيغدو صوته امتدادًا لأصواتهم، ورؤيته انعكاسًا لوعيهم. هنا تتجلى قيمة الإعلام، حين يرتبط بالإنسان، ويعبّر عنه، ويصون هويته.
يولد الإعلامي الصادق من عمق محبته لمجتمعه، فتنعكس هذه المحبة في حضوره، وفي طريقته في الحديث، وفي كل ما يقدّمه من محتوى. يعيش تفاصيل الناس، يقترب من يومياتهم، ويجعل من نفسه جزءًا من نسيجهم، فيصبح صوته معبّرًا عنهم، وصورته امتدادًا لهم.
يظهر هذا الانتماء في مظهره، فيختار لباسًا ينسجم مع بيئته، ويعكس الذوق العام للمجتمع. حضوره يحمل بساطة مألوفة وأناقة قريبة من الناس، فتتكوّن حالة من الألفة بينه وبين جمهوره. هذه الصورة تمنح رسالته مصداقية، وتجعل التواصل أكثر عمقًا وتأثيرًا.
لغته تنبض بروح المجتمع، يستخدم مفردات قريبة، ويصوغ عباراته بوضوح وسلاسة، فتصل الفكرة دون تعقيد. كلماته تحمل حرارة الشعور وصدق الانتماء، فيشعر المتلقي أن صوته حاضر، وأن ما يُطرح يعكس واقعه ويعبّر عن اهتماماته، بعيدًا كل البعد عن التعصب أو التحيز أو الانتقاء.
كما أن اهتماماته تنطلق من قضايا المجتمع، فيلامس هموم الناس، ويحتفي بإنجازاتهم، ويقدّم طرحًا واعيًا معتدلاً يربط بين الواقع والطموح. منها يختار موضوعاته بعناية، ويعالجها بروح المسؤولية، فيسهم في بناء وعيٍ يعزز الاستقرار ويدعم مسيرة التطور.
وعندما يقف الإعلامي بين الناس فإنه يتعين عليه الانصات لهم، والتفاعل معهم، ويمنحهم مساحة للتعبير، كونه يؤمن بدور المجتمع في صناعة الوعي، ويشجّع على الحوار، ويحتضن اختلاف الآراء بروح ناضجة. في المقابل حضوره يقوم على المشاركة، ويعكس احترامًا عميقًا لعقول المتلقين.
إن الإعلامي المخلص لمهنته ولمجتمعه يحمل على عاتقه أمانة تتعاظم كلما فهم دوره ووقف عنده ولزم ميثاقه، تتمثل تلك الأمانة في الكلمة المسؤولة والعبارة الصادقة فيحرص على الدقة، ويقدّم الحقيقة بروح مسؤولة، ويبتعد عن الإثارة التي تفقد القيمة. يسعى إلى ترسيخ القيم، وتعزيز الهوية، ودعم كل ما ينهض بالمجتمع. كلماته تزرع وعيًا، وتفتح آفاقًا، وتبني جسورًا من الثقة.
وفي أوقات التحديات، يزداد حضوره إشراقًا، فيقدّم خطابًا متزنًا، يدعم التماسك، ويعزز الطمأنينة، ويشجّع على التعاون. يوجّه الاهتمام نحو ما يخدم المجتمع، ويعمل على تقوية الروابط بين أفراده.
هكذا يتجلى دور الإعلامي النزيه، إنسان يعيش بين الناس، يشعر بهم، ويتحدث بلسانهم، ويقدّم رسالة تنبع من واقعهم، فتصل إليهم بصدق، وتبقى في وجدانهم أثرًا ممتدًا.
ويبقى الإعلامي الذي يشبه مجتمعه حاضرًا في الذاكرة، لأن أثره ينبع من صدق انتمائه، ومن احترامه لعقول الناس، ومن إيمانه بأن الكلمة مسؤولية تُبنى عليها الثقة. يسير بينهم، يحمل همومهم، ويشاركهم الطموح، فيصنع حضورًا يترك بصمة واضحة في الوعي الجمعي. ومع مرور الزمن، تترسخ مكانته، لأن ما قدّمه يحمل رسالة صادقة تعيش في القلوب وتستمر في التأثير.
لذلك يظل الإعلام والصحافة ركيزتين أساسيتين في بناء المجتمعات، حين يقومان على المصداقية، والوعي، واختيار الكفاءات الإعلامية بعناية شديدة ويطبقان مبدأ الالتزام الأخلاقي، ويعملان من أجل خدمة الإنسان قبل أي هدف آخر.