النهار
بقلم: عبدالله الكناني
يا صاحبي لا صار للضحكة ثمن
وصاروا أصحابي كثير بس بثمن
والوفاء ما به وفاء إلا بثمن
بهذه الأبيات للأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز آل سعود، يمكن مقاربة جانبٍ دقيق من تعقيدات المشهد السياسي الراهن؛ حيث لم تعد العلاقات الدولية تُبنى على العناوين العريضة أو الشعارات المعلنة، بل تُقاس بميزان المصالح، وبعضها بالمقايضة، وتُختبر حقيقتها في لحظات التوتر.
في ظل تصاعد التوتر المرتبط بالدور الإيراني في المنطقة، وما يقابله من تحركات تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لمواجهة تمدد هذا الدور وتدخلاته وتهديداته، واقترابه من امتلاك قدرات نووية تُهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، تكشّفت مواقف دولية وإقليمية متباينة تجاه أمن الخليج العربي.
بعض هذه المواقف جاء واضحًا وصريحًا، فيما اتسم بعضها الآخر بالضبابية، بل وبقدرٍ من التردد الذي يقترب من السلبية السياسية.
لقد شكّلت السياسات الإيرانية، عبر أدواتها المختلفة، مصدر قلقٍ ممتد لدول الخليج، ليس فقط من زاوية التمدد ومدّ الأذرع، بل من حيث تهديد استقرار المنطقة وممرات الطاقة العالمية، والإضرار بالأمن والسلم الدوليين عبر برامج لا تخضع للرقابة الدولية الكافية.
ومع احتدام المواجهة غير المباشرة، بدا المشهد اختبارًا حقيقيًا لصلابة التحالفات الدولية والإقليمية، وصدق الشراكات والوعود التي طالما رُوّج لها في أوقات الرخاء.
غير أن ما يلفت النظر، من منظور تحليلي أعمق، هو أن بعض الدول المنتمية إلى الفضاءين العربي والإسلامي لم ترتقِ مواقفها إلى مستوى التحدي، بل اختارت الاصطفاف خلف مبرراتٍ ظاهرها أخلاقي، وباطنها حسابات ضيقة.
فتارةً تُرفع ذريعة خذلانها بسبب وجود الكيان الإسرائيلي في معادلة الردع، وتارةً يُلجأ إلى خطابٍ إنشائي يساوي بين التهديد ومن يتصدى له، في تجاهلٍ واضحٍ لجذور الأزمة ومسبباتها، بل ومحاولة إقناع شعوبها بذلك.
هذا الخطاب، في حقيقته، لا يعكس حيادًا بقدر ما يكشف ارتباكًا في قراءة المشهد، أو رغبة في الهروب من استحقاقات الموقف.
والأخطر من ذلك أنه يتغافل عن حقيقة أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لم تنجرّ إلى التصعيد، بل أكدت مرارًا رفض استخدام أراضيها كمنصاتٍ للصراع، حفاظًا على استقرار المنطقة، وتغليبًا لمنطق الحكمة على منطق المواجهة.
ومن هنا، تتجلى المفارقة: دولٌ تتحمل عبء التهديد وتعمل على احتوائه بحكمة، تقابلها مواقف مترددة تفتقر إلى الحد الأدنى من التضامن السياسي الواضح.
وهو ما يعيد إلى الذاكرة مواقف سابقة لبعض الدول في إطار جامعة الدول العربية إبّان تحرير الكويت، حين اختلطت الحسابات وتباينت المواقف بين من أدرك خطورة اللحظة، ومن آثر الوقوف في منطقة رمادية لا تصنع موقفًا ولا تحفظ توازنًا.
إن القراءة الواعية لهذه المواقف لا تنطلق من رد فعل، بل من وعيٍ استراتيجي يُدرك أن العلاقات تُبنى على المواقف لا الأقوال، وأن الشراكة الحقيقية تُقاس في أوقات الأزمات لا في بيانات وتصريحات المجاملة.
فالدول التي تتردد في لحظة الاختبار، أو تختبئ خلف مبرراتٍ واهية، تعيد تعريف موقعها في معادلة التحالف، وتكشف حدود التزامها.
وفي المقابل، أثبتت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، قدرتها على إدارة التحديات بعقلانية، عبر تنويع تحالفاتها، وتعزيز جاهزيتها، والتمسك بخيار الاستقرار دون التفريط في أمنها.
هذا النهج لا يعكس ضعفًا، بل قوة قائمة على إدراك عميق لتعقيدات المشهد، وقدرة على موازنة المصالح دون الانزلاق إلى الفوضى.
وفي ضوء ذلك، تكتسب أبيات سمو الأمير عبدالرحمن بن مساعد بعدًا أكثر واقعية، إذ تختزل عالمًا تُشترى فيه المواقف وتُختبر فيه القيم.
لكن الحقيقة التي تفرض نفسها أن الصداقة التي تُبنى على الثمن لا تدوم، وأن المواقف التي تُصاغ وفق القيم والمصالح المشتركة هي وحدها القادرة على الصمود.
وهكذا، بين ثمن الضحكة وثمن الموقف، تتضح الفوارق، وتُعاد صياغة خرائط التحالف، ويبقى الرهان على وعيٍ سعوديٍ راسخ، يُحسن قراءة اللحظة، ويعرف أن التاريخ لا يذكر المترددين، بل يخلّد أصحاب المواقف.