النهار

١٣ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ ابريل-٢٠٢٦       8085

بقلم - علي المالكي  

لم يكن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان مفاجئًا كما يحاول البعض تصويره بل كان نتيجة متوقعة لمسار طويل من انعدام الثقة وتضارب الأهداف. 
فمنذ اللحظة الأولى دخل الطرفان طاولة التفاوض وهما يدركان أن الهوة بينهما أعمق من أن تُردم باتفاق سريع أو تنازلات مرحلية.

الولايات المتحدة لم تكن تبحث عن تفاهم بقدر ما كانت تختبر حدود الضغط بينما كانت طهران تمارس لعبتها المعتادة : (كسب الوقت) (امتصاص الصدمات) (إعادة ترتيب أوراقها). 
هذه المعادلة جعلت فشل المفاوضات أقرب إلى حتمية سياسية منه إلى تعثر دبلوماسي عابر.
وفي هذا السياق يبرز فرض حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية كخطوة تحمل وجهين متناقضين. 
فمن جهة سيشكل هذا الحصار ضغطًا اقتصاديًا خانقًا على النظام الإيراني وقد يضرب شرايينه الحيوية المرتبطة بالتجارة والنفط. 
لكن من جهة أخرى قد يتحول هذا الضغط ذاته إلى هدية غير مباشرة للنظام إذ يمنحه فرصة لإعادة ترتيب الداخل وشحذ الخطاب التعبوي وتبرير أزماته أمام شعبه تحت مظلة المواجهة مع الخارج .
فالنظام في طهران منذ قيامه على يد روح الخميني عام 1979 لم يُبن على منطق الدولة التقليدية بل على عقيدة أيديولوجية تُقدّم بقاء النظام وتصدير الثورة على أي اعتبار اقتصادي أو إنساني. 
ومن هذا المنطلق فإن دعم المليشيات العابرة للحدود وتوسيع النفوذ الإقليمي ليس خيارًا تكتيكيًا بل ركيزة وجودية في فكر الولي الفقيه.
وهنا يكمن جوهر الإشكال : أي ضغط لا يمس صلب هذه المنظومة العقائدية والأمنية سيبقى محدود التأثير بل وقد يعزز من قدرة النظام على التكيف. 
لذلك فإن الحديث عن تغيير حقيقي في سلوك طهران لا يمكن أن يتحقق عبر أدوات الضغط التقليدية فقط.
الطرح الأكثر حدة والذي يتردد في بعض دوائر التحليل يقوم على أن الحل الفعلي يبدأ من استهداف مفاصل النظام ذاته : بنيته العسكرية مراكز قيادته وشبكة اتخاذ القرار التي تحمي استمراريته. 
فحين تُضرب هذه المفاصل ينتقل النظام من حالة المناورة إلى حالة الدفاع عن البقاء.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية الجغرافيا الاستراتيجية خصوصًا الجزر الإيرانية في الخليج العربي وعلى رأسها جزيرة خارك التي تمثل شريانًا حيويًا لصادرات النفط الإيرانية. 
السيطرة على مثل هذه النقاط الحساسة في حال تطور الصراع قد تعني تضييق الخناق الفعلي على النظام وتحويل الضغط من مجرد عقوبات إلى واقع ميداني يهدد قدرته على الاستمرار.
أما في اللحظة الراهنة فإن المؤشرات تفيد بأن طهران لا تزال تسعى لإعادة فتح قنوات التفاوض ليس من باب القناعة بل من باب التكتيك. 
فكل جولة تفاوض جديدة تعني مزيدًا من الوقت وكل تأخير يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس في وقت تتزايد فيه الضغوط على الداخل الأمريكي خاصة على إدارة دونالد ترامب التي تواجه حسابات سياسية معقدة.

أهيرًا :  أن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين اتفاق وفشل بل مواجهة مفتوحة بين مشروعين : أحدهما يسعى لاحتواء إيران والآخر يسعى للبقاء بأي ثمن. 
وبينهما تستمر طهران في لعبتها القديمة كسب الوقت حتى تتغير المعادلات.