النهار
بقلم - غازي العوني
لم تعد الحروب اليوم معركة بين جيشين أو دولتين، بل أصبحت معركة بين الإنسان ونفسه.
بين صوت العقل الذي يدعو إلى البناء والتعايش، وصوت الغريزة الذي يدفع نحو الهدم والانتقام.
وفي خضم هذا الصراع، يبرز مفهوم جوهري طالما أُسيء فهمه: أن الجنح للسلم ليس استسلامًا، بل هو أعظم صور الانتصار.
الانتصار الحقي ليس في إطالة الحرب
اعتاد البعض أن يربط الانتصار بقوة السلاح وطول أمد المعارك وعدد الضحايا.
لكن التاريخ علّمنا أن هذا النوع من الانتصار وهمي وقصير الأجل.
فكل معركة تنتهي بجولة جديدة من الكراهية، وكل قلعة تُفتح تُبنى على أنقاض مدينة مدمرة.
الانتصار الحقي لا يُقاس بعدد القتلى، ولا بمساحة الأرض التي تُحتل، بل يُقاس بعدد الأرواح التي تُنقذ، والحقوق التي تُصان، والفرص التي تُفتح أمام الشعوب لتعيش بكرامة وأمان.
الجنح للسلم هو اعتراف بأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على وقف نزيف الدم، وفي الشجاعة على الجلوس إلى طاولة الحوار بدل الاستمرار في ساحة القتال.
هو اعتراف بأن المصير الإنساني واحد، وأن ما يصيب جزءًا من العالم سينعكس على كله.
ننتصر جميعًا بالسلم أو نهزم جميعًا بالحرب
نحن نعيش اليوم في لحظة مفصلية. فإما أن نختار طريق السلم، فننتصر جميعًا بمكاسب الأمن والاستقرار والتنمية، وإما أن نتمسك بخيار الحرب، فنهزم جميعًا في دوامة من الخراب لا يستثني أحدًا.
فالمصير الإنساني مترابط إلى درجة لا يمكن معها أن ينجو طرف بينما يغرق الطرف الآخر.
الحرب لا تصنع غالبًا ومغلوبًا فحسب، بل تصنع جيلًا من الأيتام والأرامل والجرحى، وتخلق أرضًا محروقة لا تصلح للزراعة ولا للعيش.
بينما السلم يصنع مدارس ومستشفيات ومصانع، ويعيد للإنسان ثقته بنفسه وبمستقبله.
المصير الواحد بين البناء والهدم
الإنسانية تقف اليوم على مفترق طريقين لا ثالث لهما: طريق البناء والتنمية، وطريق الهدم والخراب. طريق البناء يقوم على قيم التعاون والعدالة واحترام حقوق الإنسان، وهو الطريق الذي يضمن للأجيال القادمة مستقبلًا آمنًا.
أما طريق الهدم فهو طريق العلو والإفساد، وهو الطريق الذي يجر البشرية إلى حروب لا تنتهي، وإلى أفكار هدّامة تبحث عن الانتصار في سفك الدماء واضطهاد الشعوب.
القوة التدميرية التي وصلت إليها البشرية اليوم جعلت الحرب لم تعد خيارًا يمكن التحكم في نتائجه.
سلاح واحد قادر على محو مدينة بأكملها، وتقنية واحدة قادرة على قلب موازين القوى في لحظة.
لذلك أصبحت الحروب خطرًا وجوديًا على الجميع، لا على الطرف المعتدى عليه فقط.
السلام مشروع جماعي لا فردي
السلام ليس امتيازًا لفئة دون أخرى، ولا مكسبًا لطرف على حساب طرف.
السلام مشروع جماعي يتطلب تنازلًا متبادلًا، واحترامًا متبادلًا، وإرادة صادقة لبناء مستقبل مشترك.
حينما يسود السلام، تنهض الحضارات، وتزدهر الثقافات، وتُستثمر الموارد في ما ينفع الإنسان بدل أن تُهدر في ما يفنيه.
والسلم لا يعني التخلي عن الحقوق أو القبول بالظلم.
على العكس، السلم الحقي هو الذي يحفظ لكل ذي حق حقه، ويضمن للجميع العيش المشترك دون خوف أو تمييز.
هو الذي يفتح أبواب الحوار والتفاهم، ويغلق أبواب الكراهية والثأر.
دعوة إلى وعي جديد
لقد كشفت الصراعات التي امتدت لسنوات أن لا غالب في الحرب ولا مغلوب، وأن الجميع خاسرون في النهاية.
كشفت أن الدمار لا يفرق بين مذنب وبريء، وأن الخراب لا يميز بين غني وفقير.
لذلك فإن على العالم اليوم أن يبني وعيًا جديدًا يقوم على أن أمني من أمنك، واستقراري من استقرارك.
الجنح للسلم هو انتصار العقل على العاطفة، والحكمة على التهور، والحياة على الموت.
هو اعتراف بأننا جميعًا شركاء في هذه الأرض، وأن بقاءنا مرتبط ببقاء بعضنا البعض.
خاتمة: معركة القيم
المعركة الحقيقية في عصرنا ليست معركة سلاح، بل هي معركة قيم.
معركة بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، بين ثقافة التسامح وثقافة التعصب، بين ثقافة البناء وثقافة الهدم.
ومن ينتصر في هذه المعركة هو من يختار السلم طريقًا، ويجعل من حقوق الإنسان وكرامته غاية لا وسيلة.
فلتكن شجاعتنا اليوم في أن نقول للسلم نعم، وأن نقول للحرب كفى.
فهذا هو الانتصار الذي يستحقه الإنسان، وهذا هو الأمل الوحيد لمستقبل آمن يليق بالبشرية.