النهار

٠٩ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ ابريل-٢٠٢٦       14355

بقلم - طارق محمود نواب

في دهاليز الحياة لا تُقاس الحكايات بطولها بل بقدرتك على حسمها فثمّة أرواح أُنهكت لأنها أدمنت الفواصل وتردّدت أمام النقاط فأبقت أبوابًا مواربة وجرحت نفسها بصمتٍ طويل ظنّته صبرًا وهو في حقيقته استنزافٌ بطيء يلتهمها دون ضجيج،
فالفاصلة خديعة أنيقة تمنحك وهم الاستمرار تُسكّنك على أملٍ هش وتؤجّل غرقٌ في الذات وتُقنعك أن القادم سيُصلح ما أفسده البقاء لكنها في العمق تمدّ شرايين الألم وتُطيل عمر الخيبة وتُعيدك كل مرة إلى ذات الجرح بوجهٍ جديد،
أما النقطة فهي القرار حين يشتد وضوحه وهي الحسم حين يبلغ ذروته وهي اللحظة التي تنفض فيها عن روحك غبار التردّد وتُعلن أن ما كان لم يعد يستحق أن يُستكمل، وهي ليست قسوة بل صرامة نقية وليست هروبًا بل مواجهة عالية السقف تُعيدك إلى نفسك بعد أن كدت تفقدها في زحام المجاملات
فكم من علاقةٍ غدت ثِقلاً لأنك خشيت النقطة فمددت لها فاصلة أخرى وكم من بابٍ ظلّ مفتوحًا لأنه لم تجد الجرأة لإغلاقه فصار ممرًا لكل ما يؤذيك وكم من حكايةٍ نزفت حتى الذبول لأنك صدّقت أن الإطالة وفاء بينما الحقيقة أن الحسم نجاة.
فالنقطة ليست نهايةً باردة بل ولادة حارّة تعيد تشكيلك من الداخل فتُعيد ترتيب فوضاك وتُطفئ حرائقك وتمنحك مساحةً لتتنفّس دون أن يلاحقك الماضي بظلاله الثقيلة، وهي حدّك الأخير الذي تقول عنده كفى دون أن ترتجف
فلا تُغرق نفسك في فواصل متعبة ولا تُجمّل التردّد بأسماء براقة وكن جريئًا بما يكفي لتُنهي ما يستحق أن ينتهي وأن تمضي طليقًا بلا أصداء تُثقلك ولا حكاياتٍ ناقصة تُرهقك.
ولاتضع الفاصلة مكان النقطة لأن بعض النهايات خلاص وبعض الحسم حياة وبعض النقاط إنقاذٌ لا يحتمل التأجيل.