النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس من الحكمة أن تُقاس الرجالُ بكثرة ألقابهم، ولكن من الإنصاف أن يُعاد تعريف الألقاب حين تجتمع في رجلٍ واحدٍ على هذا النحو المتماسك.
هنا لا نتحدث عن مسارٍ عادي، بل عن بنيةٍ مركّبة تتقاطع فيها الصرامة مع الجمال، والعقل مع النبرة، والقانون مع القصيدة؛ حيث يقف د. عقيد ركن مشعل بن محماس الحارثي بوصفه نموذجًا نادرًا لا يُستدعى للإشادة بقدر ما يُستدعى لإعادة ضبط معيار.
في زمنٍ تراجعت فيه وظيفة الكلمة من بناء المعنى إلى تصفية الحساب ؛ يبرز موقفه الأخلاقي الحاسم: أن لا يُستغل الشعر في النيل من الآخرين أو تشويه السمعة أو تحقيق انتصارٍ رخيص.
هذا الموقف ليس ترفًا مثاليًا، بل ضرورة حضارية؛ لأنّ الكلمة حين تنحط، تنحط معها الذائقة، وحين تنحط الذائقة، يختلّ ميزان المجتمع. وكما قال أحمد شوقي:
“وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت…”
غير أن الفرق هنا ..أنّ ابن محماس لا يردّد البيت، بل يطبّقه على ميدانٍ طالته الفوضى: ميدان الشعر ذاته.
منذ بداياته ؛ لم يكن التفوّق عنده صدفةً تعليمية، بل مشروعًا مبكّرًا للتميّز؛ إذ تدرّج في سلم الأوائل، لكنّه لم يقف عند حدود الإنجاز الأكاديمي، بل حوّله إلى وعيٍ منهجي.
وهنا تتجلى ثلاثيته اللافتة: عمقٌ قانونيّ تُوِّج بدكتوراه في المحاكمات العسكرية من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث تُختبر العدالة تحت ضغط السلطة؛ وانضباطٌ عسكريّ يضع النظام في مقام القيمة لا الإجراء؛ وحسٌّ شعريّ لا يكتفي بالتعبير، بل يُمارس التأثير.
إنّ هذا التداخل ليس تجميليًا، بل وظيفيّ؛ فالقانوني فيه يزن الكلمة قبل إطلاقها، والعسكري يضبط إيقاعها، والشاعر يمنحها الحياة.
ولذلك يأتي شعره حماسيًا، مشدودًا إلى بُعدٍ سياسيّ نافذ، يقرأ الوقائع لا كخبرٍ عابر، بل كتحوّلٍ يحتاج إلى تأويل.
ومن روحه ما يُجسّد هذا المنحى:
“إذا السياسةُ ضلّت دربَ حكمتها
؛ أعدتُ للشعرِ ميزانًا يُقوِّمها”
هنا يتقاطع مع قول طه حسين: “الأدب الجيد هو الذي يزيد الحياة عمقًا”، غير أنّه يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يجعل الأدب أداة تصحيح، لا مجرّد تعميق.
وهذا ما يمنح نصوصه طابعًا تركيبيًا؛ حيث تُبنى الصورة من صلب الحدث، ثم تُصاغ بلغةٍ سلسةٍ دون أن تفقد عمقها، في توازنٍ نادر بين الوضوح والكثافة.
ولأنّ الكلمة عنده موقف ؛ فإنّ أداءه ليس تفصيلًا ثانويًا؛ فالإلقاء لديه امتدادٌ للفكرة، لا وعاءٌ لها.
حضورٌ يُذكّر بكبار الأدباء، حيث تُلقى القصيدة كأنها بيان، لا مجرّد نص.
وهنا يحضر قول الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ”، فيتحوّل عنده إلى قاعدة أداء بقدر ما هو قاعدة كتابة.
غير أنّ القيمة الأعمق في تجربته لا تكمن في الجمع بين هذه الأبعاد، بل في قدرته على ضبطها أخلاقيًا؛ فلا يطغى الانفعال الشعري على ميزان العدالة، ولا تُميت الصرامة العسكرية حرارة التعبير، ولا يتحوّل القانون إلى جفافٍ يقتل الروح.
هنا يمكن استدعاء قول أرسطو: “الفضيلة هي الوسط بين رذيلتين”، غير أنّ هذا “الوسط” عند ابن محماس ليس منطقة رمادية، بل نقطة توازنٍ عالية، تُبقي كل بُعدٍ في مداره دون أن يُفسد الآخر.
وفي زمنٍ تزدحم فيه المنصّات بأصواتٍ عاليةٍ قليلة الوزن ؛ يقدّم هذا النموذج درسًا مختلفًا: أن القيمة لا تُصنع بالضجيج، بل بالاتساق؛ وأنّ الشاعر ليس من يملك اللغة، بل من يضبطها؛ وأنّ الوطن لا يحتاج إلى من يُصفّق له، بل إلى من يُحسن التعبير عنه.
ومن صميم هذا المعنى يمكن أن يُقال:
“وطني إذا ضاقت الحروفُ بمعناهُ
كنتُ المعاني التي به تتّسعُ”
هكذا تُقرأ تجربة د. عقيد ركن مشعل بن محماس: ليست بوصفها سيرة إنجاز، بل بوصفها معيارًا؛ معيارًا يُعيد للكلمة شرفها، وللشعر مسؤوليته، وللوطن مكانته في النص قبل المنصّة.
وفي زمنٍ يختلط فيه اللمعان بالقيمة ؛ يبقى الفرق واضحًا: هناك من يكتب ليُرى، وهناك من يكتب ليُبقي المعنى حيَّاً.