النهار

٠٤ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ ابريل-٢٠٢٦       9405

بقلم -د. علي بن عالي السعدوني
زرتُ الدرعية مع زميلي الدكتور شبيب آل شبيب يوم الخميس الماضي، ولم يكن ذلك مجرد انتقالٍ إلى موقعٍ تاريخي، بل عبورًا هادئًا إلى معنى مختلف للمكان؛ حضور  لا يكتفي بأن يُرى، بل يُفهم، ولا يرضى أن يكون أثرًا محفوظًا، بل تجربةً تُستعاد، فمنذ اللحظة الأولى، يتبدّى لك أن ما أمامك ليس إعادة تأهيلٍ لماضٍ جميل، بل إعادة صياغةٍ له بلغةٍ معاصرة تعرف كيف تُبقي على الروح، وتُجدّد الجسد دون أن تفقده ملامحه الأولى.
في الدرعية، لا تُدهشك التفاصيل لأنها كثيرة، بل لأنها محسوبة؛ كل شيءٍ موضوعٌ حيث ينبغي أن يكون، وكأن المكان كُتب قبل أن يُبنى، المسارات لا تقودك فحسب، بل تُفكّر بك، والإضاءة لا تكشف المشهد فقط، بل تُعيد ترتيبه في عينك، حتى تشعر أن ما تراه ليس صورةً ثابتة، بل سردٌ بصريٌّ يتنامى مع خطاك.

هذا الانسجام بين الحركة والسكون،  بين الامتداد والاحتواء، يكشف عن عقلٍ تخطيطي لا يترك للجمال أن يكون صدفة.
وإذا كانت العمارة النجدية قد عُرفت ببساطتها وصدقها، فإنها في الدرعية الجديدة تظهر وقد استعادت حضورها دون أن تُحبس في إطار التقليد، الطين في هذا الموضع ليس مادةً تُستعاد، بل لغةٌ تُفهم، والجدار ليس حدًا فاصلاً، بل ذاكرةٌ قائمة، كأن المشروع يقول بوضوح: يمكن للأصالة أن تتطوّر دون أن تتنازل، وأن تنفتح دون أن تذوب، وأن تُخاطب العالم وهي ثابتةٌ في أرضها.
إن ما يلفت النظر حقًا ليس جمال البناء وحده، بل الفكرة التي تقف خلفه، فالدرعية لم تُقدَّم بوصفها موقعًا للزيارة، بل بوصفها تجربةً متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وتاريخه، لا تشعر فيها أنك تنظر إلى الماضي من الخارج، بل كأنك تدخل إليه من بابٍ جديد، بابٍ صُمّم ليكون صالحًا للحاضر، وقادرًا على أن يمتد إلى المستقبل.
وفي هذا الموضع تتجلى رؤية السعودية 2030 بوصفها رؤيةً تُحسن ترجمة الأفكار إلى واقع، فالرؤية، في أحد أعمق أبعادها، لا تسعى إلى تطوير المدن فحسب، بل إلى إعادة بناء الوعي بالمكان: كيف نرى تاريخنا؟ وكيف نُقدّمه؟ وكيف نجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحاضر، لا مجرد مادةٍ للحنين؟ في الدرعية، تبدو الإجابة عمليةً لا تنظيرية؛ إذ يتحول التراث إلى موردٍ اقتصادي، وإلى فضاءٍ ثقافي، وإلى تجربةٍ إنسانية تستقطب الداخل والخارج في آنٍ واحد.
ولعل ما يُحسب لهذا المشروع أنه لم يقع في فخ المبالغة؛ لم يحاول أن يُبهرك بما ليس فيه، بل أظهر ما فيه بأفضل صورة، وهذا هو الفارق بين مشروعٍ يصنع الانبهار، وآخر يصنع القناعة، فالدرعية لا تُدهشك فقط، بل تُقنعك؛ تقنعك بأن ما تراه نتيجة عملٍ تراكمي، ورؤيةٍ صبورة، وإدارةٍ تعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة.
وحين تتأمل الحضور الإنساني في المكان، تدرك أن النجاح لم يكن عمرانيًا فحسب، بل اجتماعي أيضًا، الناس يتحركون في انسياب، الأسر تجد ما يناسبها، والزائر يشعر أنه مرحّبٌ به دون أن يُفرض عليه إيقاعٌ معين وهذا بحد ذاته إنجازٌ نادر؛ لأن كثيرًا من المشاريع الكبرى تنجح في البناء وتتعثر في الإحساس، أما في هذا الموضع فقد اجتمع الأمران في توازنٍ لافت.
إن الدرعية اليوم ليست مجرد واجهةٍسياحية، بل خطابٌ حضاريّ يقول إن السعودية تعيد تقديم نفسها من داخل تاريخها، لا من خارجه؛ تستثمر في ذاكرتها لا لتتوقف عندها، بل لتجعلها نقطة انطلاق. وهذا ما يمنح المشروع قيمته الحقيقية؛ لأنه لا يضيف إلى المكان فقط، بل يضيف إلى الوعي به.
تخرج من الدرعية، لكنك تحملها معك؛ لا بوصفها صورةً التقطتها، بل بوصفها إحساسًا استقرّ فيك، وإجابةً غير مباشرة عن سؤالٍ قديم: كيف يمكن للمكان أن يكون ماضيًا يُحترم، وحاضرًا يُعاش، ومستقبلًا يُنتظر في آنٍ واحد؟ في الدرعية، يبدو أن هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا يُرى، ويُلمس، ويُروى.