الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مارس-٢٠٢٦       12265

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي 

تبدو فكرة تدريب الطلاب على ركوب الخيل داخل أسوار المدرسة تحديًا واقعيًا فهذه الرياضة تحتاج إلى مساحة واسعة وتجهيزات خاصة ومدربين متخصصين، إضافة إلى متطلبات السلامة. غير أن هذه الصعوبة لا تعني استحالة إدراجها في البيئة التعليمية، فالتجارب التربوية الحديثة تقدم حلولاً عملية تجعل تعليمها ممكنًا دون تحميل المدرسة أعباء تتجاوز قدرتها.

أحد الحلول الفاعلة يتمثل في الشراكة مع ميادين ومراكز التدريب المتخصصة، يمكن للمدرسة تنظيم برامج تدريبية دورية بالتعاون مع ميادين الخيل القريبة، حيث ينتقل الطلاب في أوقات محددة لتلقي التدريب تحت إشراف مدربين مؤهلين. هذه الشراكات تتيح للطلاب تجربة تعليمية حقيقية في بيئة آمنة ومجهزة.

ومن الوسائل المفيدة أيضًا تنظيم الرحلات التعليمية إلى ميادين التدريب. في هذه الزيارات يشاهد الطلاب أساليب التدريب، ويتعرفون على طبيعة التعامل مع الخيل، وقد تتاح لهم فرصة تجربة الركوب تحت إشراف مختصين. مثل هذه الرحلات تجمع بين التعليم والمتعة وتفتح آفاقًا جديدة أمام الطلاب.

فيما تستطيع المدرسة أن تبدأ بالجانب المعرفي والتثقيفي داخل الفصول الدراسية. يتعرف الطلاب على تاريخ الخيل العربية، وطرق العناية بها، وأدوات الركوب، وقواعد السلامة، وأهمية هذه الرياضة في الثقافة العربية من خلال حصص النشاط، هذا الجانب المعرفي يمهد للجانب التطبيقي ويمنح الطالب فهمًا عميقًا قبل خوض التجربة العملية.

لا ننسى أيضا في حال عدم توفر مرابط للخيل أو ميادين مفتوحة للتدريب فإن التقنيات الحديثة تقدم كذلك حلولًا مساندة؛ إذ يمكن استخدام المحاكاة الرقمية والعروض المرئية لشرح أساسيات الركوب والتوازن والتحكم في الجواد. هذه الوسائل تساعد الطالب على تصور المهارة وفهم خطواتها قبل الممارسة الفعلية.

اعلم رحمك الله أن رياضة ركوب الخيل تحمل قيمة تربوية وثقافية عميقة في تاريخ المجتمع العربي على وجه العموم وبشكل خاص المجتمع السعودي، فقد ارتبطت الخيل بمعاني الشجاعة والكرامة والانضباط منذ أزمنة بعيدة. ومع تطور الأنظمة التعليمية وتنوع الأنشطة المدرسية يبرز تعليم ركوب الخيل بوصفه مجالاً تربويًا قادرًا على الإسهام في بناء شخصية الطالب بصورة متكاملة تجمع بين القوة البدنية والسمو الأخلاقي.

فإدراج هذه الرياضة ضمن البرامج المدرسية يمثل خطوة نوعية في مسار التربية الحديثة؛ إذ لا تقتصر على تنمية المهارات الجسدية، إنما تقدم منظومة واسعة من القيم التي يحتاجها الطالب في حياته العلمية والعملية. فالطالب حين يتعلم التحكم في حركة الجواد يكتسب قدرة عالية على التركيز والتوازن، وتنمو داخله الثقة بالنفس وروح الإقدام.

كما أن ركوب الخيل يسهم في تعزيز الصحة البدنية لدى الطلاب؛ فهو نشاط رياضي متكامل ينشط عضلات الجسم ويقوي التوازن الحركي ويرفع مستوى اللياقة البدنية. ومع الاستمرار في التدريب يكتسب المتعلم قدرة أكبر على ضبط الجسد والتركيز الذهني، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على أدائه الدراسي وسلوكه العام.

إن تعليم هذه الرياضة يحمل بعدًا ثقافيًا مهمًا؛ فالخيل العربية الأصيلة تمثل جزءًا راسخًا من التراث العربي. فحين يتعرف الطالب على تاريخ الخيل وأدوارها في حياة الأجداد ينمو داخله شعور بالفخر بالهوية الثقافية التي ينتمي إليها، ويزداد ارتباطه بالموروث الحضاري لمجتمعه فيما تسهم هذه الممارسة في تعزيز القيم الاجتماعية بين الطلاب؛ فالتدريب في ميادين الخيل يقوم على احترام القواعد والتعاون مع المدربين والزملاء، وهو ما ينمي روح العمل الجماعي ويعزز مفهوم المنافسة الشريفة.

إن الاهتمام بتعليم ركوب الخيل في المدارس يمثل استثمارًا تربويًا مهمًا في بناء جيل يتمتع بالقوة والثقة والانضباط، فالطالب الذي يخوض هذه التجربة يتعلم كيف يقود بثبات وكيف يتحمل المسؤولية بروح عالية من الالتزام والوعي.

وهكذا تتحول المدرسة إلى بيئة تصنع جيلاً يجمع بين العلم والقيم الرفيعة والقوة البدنية، جيلاً يسير نحو المستقبل بروح الفرسان ويتعلم أخلاقهم النبيلة.