عبدالله الكناني
بقلم -عبدالله الكناني
المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين،منذ تأسيسها، لم تكن دولةً عادية في محيطها، بل كانت ركيزة توازنٍ في العالمين العربي والإسلامي، وموئلًا للحكمة حين تضطرب المواقف، وصوتًا للعقل حين تعلو ضوضاء المصالح الضيقة.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تبقى المملكة، على امتداد تاريخها الحديث، في صدارة المواقف المشرفة التي تنحاز إلى قضايا الأمة، وتدافع عن استقرار المنطقة، وتسعى إلى حفظ كرامة الإنسان العربي والمسلم.
لقد أثبتت المملكة في أكثر من منعطف تاريخي أن قوتها لا تقوم على الإمكانات المادية وحدها، بل على منظومة متكاملة من القيم والقدرات؛ قوة في القرار، ورسوخ في الرؤية، واقتصاد متين، ومنظومة دفاعية متقدمة، والأهم من ذلك كله قيادة تمتلك الحنكة السياسية والحكمة في قراءة التحولات الدولية والإقليمية،وهذه المعادلة جعلت المملكة قادرة على أن تكون شريكًا فاعلًا في صناعة الاستقرار، لا تابعًا لمعادلات الآخرين.
وفي الوقت الذي اختارت فيه المملكة طريق البناء والتنمية وتعزيز الاستقرار في المنطقة، ظهرت في المقابل مشاريع سياسية وإيديولوجية سعت إلى توسيع نفوذها عبر أدوات الفوضى والتدخل في شؤون الدول، متباهيةً بالهيمنة على عواصم عربية، ومصدّرةً أزماتها إلى محيطها العربي.
وقد دفعت شعوب المنطقة ثمن تلك السياسات التي غذّت الصراعات وأشعلت الحروب، وفتحت أبواب الانقسام وعدم الاستقرار.
لم تكن المملكة ودول الخليج العربي بمنأى عن تلك السياسات العدائية؛ فقد تعرضت لاعتداءات جبانة واستهدافات متكررة عبر المليشيات المسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولةٍ لزعزعة أمنها واستقرارها، غير أن تلك الاعتداءات لم تزد المملكة إلا صلابةً وتماسكًا، إذ واجهتها بحكمة القيادة ويقظة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وبوحدةٍ وطنية راسخة جعلت أمن الوطن خطًا أحمر لا يمكن المساس به.
لقد لعبت إيران، عبر سنوات طويلة، دورًا واضحًا في تغذية الصراعات وزرع القلاقل في عددٍ من دول الجوار، من خلال دعم جماعات مسلحة وتوظيف الأزمات لخدمة مشاريع نفوذٍ إقليمية، والمفارقة أن بوصلة هذا المشروع لم تتجه يومًا نحو مواجهة من أعلن الحرب عليها، بل انصرفت في كثير من الأحيان إلى ساحات عربية، ما أسهم في تعميق الانقسامات وإطالة أمد النزاعات التي عانت منها شعوب المنطقة.
في مقابل هذا المشهد المعقد، بقيت المملكة العربية السعودية صوتًا داعيًا إلى التهدئة والحلول السياسية، وركيزة للعمل العربي المشترك، وحاضنةً للمبادرات التي تسعى إلى جمع الكلمة وتخفيف معاناة الشعوب.
فالدبلوماسية السعودية قامت على مبدأ واضح: دعم الاستقرار، واحترام سيادة الدول، والعمل على معالجة الأزمات بالحكمة والحوار، بعيدًا عن سياسات المغامرة والتوسع.
إن قوة المملكة اليوم ليست شعارًا يُرفع، بل واقع تؤكده مؤشرات التنمية والتحول الوطني، وما تشهده البلاد من نهضة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة في ظل رؤية طموحة جعلت من المملكة نموذجًا في التحديث مع الحفاظ على الثوابت والقيم. فاقتصادها من بين الأكبر في المنطقة، وقدراتها الدفاعية في تطور مستمر، ومكانتها السياسية والدينية تمنحها ثقلًا عالميًا لا يمكن تجاوزه.
غير أن أعظم ما تملكه المملكة يظل وحدتها الوطنية المتماسكة؛ شعب يقف خلف قيادته بثقةٍ واعتزاز، ويؤمن بدوره في حماية وطنه والمساهمة في نهضته. فالعلاقة بين القيادة والشعب في المملكة ليست علاقة سلطة ومجتمع فحسب، بل علاقة انتماءٍ ومصيرٍ مشترك تُترجمها مواقف التضامن والتكاتف في أوقات التحديات.
من هنا، فإن الأصوات التي تحاول النيل من المملكة أو التشكيك في مواقفها لن تغيّر من الحقيقة شيئًا؛ فالتاريخ لا يُكتب بالضجيج، بل بالمواقف الراسخة والإنجازات المستمرة. والمملكة التي تجاوزت تحديات كثيرة عبر تاريخها، قادرة بحول الله على مواجهة كل محاولات الاستهداف، مستندةً إلى قوة مؤسساتها، وثقة شعبها، وحكمة قيادتها.
إن المملكة العربية السعودية اليوم تقف شامخة كما كانت دائمًا؛ دولةً راسخة الجذور، واسعة الحضور، مؤثرة في محيطها، وحاضنةً لقيم الاعتدال والتوازن،لذلك ستبقى، كما نردد نحن أبناؤها بفخر، وطنًا يعلو فوق هام السحب؛ بعز قيادته، ووفاء شعبه، وعمق رسالته في خدمة قضايا العرب والمسلمين، والسعي نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا وعدلًا للمنطقة والعالم.