النهار
بقلم ـ د. وفاء عبد العزيز محضر
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، تعود إلى الواجهة مفاهيم قديمة بلباسٍ جديد: النخوة بوصفها قيمة عربية أصيلة، والغدر كوجهٍ مظلم لسياسات المصالح الفاسدة. وبين هذين الحدّين تتحرك الأحداث الراهنة في منطقتنا، كاشفةً حجم الفجوة بين من يستند إلى منظومة القيم والأخلاق والوفاء بالعهود، ومن تحكمه حسابات الربح والخسارة وتقوده الأحقاد القديمة والأطماع الدفينة. ان النخوة العربية إرثٌ يتجدد في زمن الامن والأزمات على حدٍ سواء؛ تراه في موقف المملكة العربية السعودية حكومة وشعباً بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حيال الأزمة الأخيرة ووقوفها قلباً وقالباً مع حكومات وشعوب المنطقة واستضافتها لكافة العالقين في مطارات المملكة من الاشقاء الخليجيين مواطني دول مجلس التعاون وتهيئة كافة السبل لراحتهم بين أهلهم واشقائهم في السعودية، واستنكار المملكة وشجبها للعدوان الغاشم من دولة إيران على المملكة العربية السعودية وعدد من الدول الشقيقة دون أسباب منطقية واضحة سوى رغبتها في توريط كافة دول المنطقة في نزاعاتها غير المشروعة عبر تاريخها، رغم موقف المملكة ودول الخليج العربي المشرف من عدم السماح باستغلال أجواء دول الخليج العربي في الهجوم على ايران ودعوة الأطراف الى الحوار، الا ان الغدر طبع الغادرين، فلم تردع هذه المواقف ايران من استهداف دول المنطقة بصواريخها وتعريض المواطنين والمنشاءات لأخطار جسيمة. إن قراءة المشهد الراهن يستدعي تجاوز الانفعال اللحظي إلى الوعي الاستراتيجي. بتحويل القيم إلى قوة ناعمة مؤثرة، وبناء تحالفات عربية وإسلامية ودولية قائمة على المصالح المتبادلة الواعية الواضحة، مع تعزيز الاعتماد على القوى الذاتية في مجالات الأمن والاقتصاد والمعرفة. لقد أثبتت التجارب السابقة اهمية امتلاك أدوات القوة الذاتية الوطنية، والتخطيط لمستقبل الوطن والأمتين العربية والإسلامية والتعاضد لحماية الحاضر وصون المستقبل وفق رؤية بعيدة المدى، حيث التاريخ يشهد والواقع يؤكد ان الأمة أقدر على حماية مصالحها وصون كرامتها من خلال التعاون والتكامل لحماية شعوبها وأراضيها وتعزيز وحدة الصف واستثمار إمكاناتها المادية والبشرية الهائلة. ستبقى النخوة العربية ومبادئ الوفاء بالعهود واحترام حدود وحقوق الشعوب قيمةً حية في وجدان السعودية قيادة وشعباً، لا يطفئها تعاقب الأزمات، ولا تنال منها تقلبات السياسة. أما الغدر سيظل قصير النفس أمام قوة الوفاء وإرادة الشعوب الواعية. بيد ان الحقيقة التي يجب ان لا نغفل عنها في عالمٍ تتغير معاييره وادواته وأهدافه وخرائطه بسرعة غير مسبوقة، تكمن في قدرتنا على أن نكون أوفياء لقيمنا، وأذكياء في إدارة مصالحنا، وأقوياء بوحدتنا وتماسكنا والتفافنا حول حكومتنا وقيادتنا، وتعاوننا الكامل العميق مع الأشقاء في امتنا العربية والإسلامية. فبين نخوة العرب وغدر الأغراب، سيُكتب مستقبل المنطقة بوعيٍ يصنع الفارق وامة تعرف الطريق. قال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ".