الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٢٨ فبراير-٢٠٢٦       13805

بقلم - علي بن عيضة المالكي

يظل شهر رمضان موسمًا تتجدد فيه معاني الوعي، ويستعيد فيه الإنسان قدرته على التحكم بإدارة نفسه.

يدخل الشهر على القلوب فيوقظها، ويمر على الأجساد فينظم إيقاعها، ويضع الإنسان أمام مرآة صافية يرى فيها عاداته وسلوكياته وخياراته اليومية.
يطلّ شهر رمضان على الإنسان فيحمله إلى مساحة من الانضباط الواعي، حيث يلتقي صفاء الروح مع نظام الجسد في تناغم فريد.

الصائم حين يلتزم بالصيام وفق هدي متوازن، يفعّل في جسده آليات دقيقة تعيد ترتيب الطاقة، وتمنحه فرصة حقيقية لإعادة بناء صحته من الداخل.
لست بالطبيب لكن من واقع التجربة والمعايشة، فعندما يمتنع الإنسان عن الطعام ساعات محددة، ينخفض لديه إفراز الإنسولين تدريجيًا، فتزداد حساسية الخلايا له، ويتجه الجسد إلى استخدام مخزون الدهون مصدرًا للطاقة.

هذه العملية تدعم استقرار مستوى السكر لدى الأصحاء، وتساعد على تقليل الكتلة الدهنية عند الاعتدال في كميات الطعام.

كما ينشط الجسد عمليات الإصلاح الخلوي خلال فترات الامتناع، فيجدد حيويته ويرفع كفاءته الوظيفية.
إن الصيام يؤثر كذلك في صحة القلب والأوعية الدموية.

حين يختار الصائم غذاءً متوازنًا عند الإفطار والسحور، ويقلل من الدهون المشبعة والسكريات المكررة، تتحسن دهون الدم وينتظم ضغطه، ويخف العبء عن القلب.

يمنح الصائم جهازه الهضمي فترة راحة منظمة، فينتظم إفراز العصارات وتتحسن حركة الأمعاء، ويشعر بخفة وارتياح.
رمضان يربي الإرادة قبل أن يعيد ضبط العادات الغذائية.

الصائم يدرّب نفسه على تأجيل الرغبة، ويضبط شهوته، ويصغي إلى حاجته الحقيقية للطعام.

هذا السلوك الواعي يعيد صياغة علاقة الإنسان بالغذاء، فيتحول من اندفاع إلى توازن، ومن استهلاك سريع إلى اختيار محسوب.

هكذا تنشأ علاقة سببية واضحة بين الانضباط السلوكي وتحسن المؤشرات الصحية.
أما الجانب النفسي، فيزدهر في أجواء الشهر المبارك.

يحرص الصائم على الصلاة، ويقوّي صلته بأسرته، ويشارك في موائد الإفطار، ويستشعر معاني التكافل.

هذه الممارسات ترفع مستوى الرضا الداخلي، وتخفف التوتر، وتعزز الإحساس بالمعنى والانتماء.

عندما يطمئن القلب، ينعكس ذلك على جودة النوم، وعلى صفاء الذهن، وعلى توازن الجسد كله.
تتجسد العلاقة السببية بين  الصحة  ورمضان في معادلة عملية: صائم واعٍ يختار غذاءه بعقل، وينظم نومه بوعي، ويمارس حركة معتدلة بعد الإفطار، ويتابع حالته الصحية إن احتاج إلى استشارة طبية.

بهذه الخطوات يحوّل الإنسان شهر رمضان إلى برنامج متكامل يعيد فيه ترتيب أولوياته، ويغرس في يومه عادات تثمر عافية تمتد آثارها إلى ما بعد انقضائه.
رمضان فرصة يملك الإنسان فيها زمام التغيير؛ فإذا أحسن استثمارها، خرج بقلب أنقى، وجسد أقوى، ونمط حياة يعبّر عن وعي ثقافي وصحي يليق بمقام هذا الشهر الكريم.