الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ ابريل-٢٠٢٦       22770

بقلم ـ طارق بن محمد بن حزام

ليست القيم الإنسانية العالمية مفاهيمَ عابرة، ولا شعاراتٍ تُرفع في مواسم الخطاب، بل هي جوهرُ الإنسان حين يصدق مع نفسه، وبوصلته حين تلتبس عليه الطرق.

إنها المبادئ التي يلتقي عليها البشر جميعًا، على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم وأعراقهم، لأنها تنبع من كرامة الإنسان وقيمته المتأصلة، ومن الاعتراف العميق بالإنسانية المشتركة التي تجمعنا تحت سماء واحدة.

وتتجلى هذه القيم في صورٍ متعددة، لكنها تتحد في مقصدها؛ فالاحترام يصون كرامة الإنسان، والرحمة تُخفف معاناته، والعدالة تُنصفه بلا تحيّز، والأمانة تحفظ الثقة بين الناس، والمسؤولية تُقيم ميزان السلوك.

أما السلام فيجمع ولا يفرّق، والحرية تصون الإرادة دون اعتداء، والحكمة تهدي إلى صواب القرار. وهي – في حقيقتها – ليست نصوصًا تُحفظ، بل حياةٌ تُعاش، ومعانٍ تنبض في تفاصيل اليوم.

ولذلك كانت هذه القيم ضرورةً لا ترفًا؛ فهي التي تحفظ بقاء البشرية، وتُعزز الثقة والتعاون والتضامن، وتُقيم أرضيةً مشتركة لبناء عالمٍ أكثر إنصافًا واتزانًا.

وهي لا تُفرض بسلطة، ولا تُحتكر بثقافة، بل تنبع من الضمير الإنساني والعقل السليم، وتتطور مع تغير الأزمنة دون أن تفقد جوهرها، كما تتكامل مع الأديان والثقافات وتُثريها.

غير أن هذا الصفاء النظري يصطدم بواقعٍ مضطرب؛ حيث تتعثر القيم لا لعجزٍ فيها، بل لضعف الوفاء بها.

تُرفع في الخطاب، لكنها تُؤجَّل في الممارسة، وتُجزّأ حين تتعارض مع المصالح، ويُعاد تأويلها لتخدم القوة لا الحق.

وهنا لا تسقط القيم، بل يتراجع حضورها، ويخسر الإنسان صدقه قبل أن يخسر مبادئه.

إن العالم حين يبتعد عن القيم، لا يفقد ألفاظًا جميلة، بل يفقد ميزانه الأخلاقي؛ تتآكل الثقة، وتضعف الروابط، ويغيب العدل، ويحلّ الصراع محلّ التعاون.

وحينها لا يكون الخسران ماديًا فحسب، بل إنسانيًا عميقًا يمسّ جوهر الوجود.

وفي زمنٍ تُشكّله الصورة وتُسرّعه المصالح، تتسع الفجوة بين ما نؤمن به وما نعيشه، حتى نظن أن القيم قد تراجعت، وهي في الحقيقة تنتظر من يُعيد إحياءها بالفعل لا بالقول.

إن أزمة القيم ليست في تعريفها، بل في الالتزام بها؛ ليست في وضوحها، بل في شجاعة حملها. فكل إنسان يعرف العدل، لكن قلةً من ينصفون، وكل إنسان يُدرك الصدق، لكن الامتحان حين يكون الصدق مُكلفًا.

وختامًا، فإن القيم الإنسانية العالمية لا تسقط، لأنها أعمق من أن تُسقط؛ لكنها قد تُهمَل حين يضعف الإنسان أو يساوم على مبادئه.

وعندها لا يكون السقوط سقوطَ القيم، بل سقوط من تخلّى عنها.

القيم العالمية باقيةٌ ما بقي الضمير حيًا…

فإن غاب الضمير، ضاع الإنسان قبل أن تضيع القيم