بقلم -الصادق جادالمولى
تشهد وزارة البلديات والإسكان منذ فترة طويلة مسارًا متقدمًا في إعادة تعريف علاقتها بالمدينة والسكن، يتجاوز في معناه منطق إدارة المشاريع إلى مقاربة أوسع ترى المكان جزءًا من حياة الناس لا مجرد إطار لحركتهم؛ حيث لم تعد المدن تُقرأ بوصفها مساحات تشغيل، ولا المساكن بوصفها ملفات تُقفل عند الإنجاز، ولكن باعتبارها عناصر مؤثرة في الاستقرار وجودة المعيشة والشعور العام بالطمأنينة، وهو تحوّل يضع الإنسان في قلب التخطيط ويمنح القرار بعدًا يتجاوز الجداول والأرقام.
ومما لا شك فيه أن هذا المسار لم يتكوّن دفعة واحدة، ولم يكن كذلك نتاج خطوة منفردة، والطبيعي أنه تشكّل عبر تراكمات طويلة في التخطيط الحضري، وتحديث التشريعات الإسكانية، وتحسين نماذج التشغيل، وربط المدن بمفاهيم الاستدامة والكفاءة، حتى خرجت المدينة من صورتها التقليدية كشبكة طرق وخدمات، وتقدّم السكن بوصفه ركيزة اجتماعية واقتصادية، ليصبح الاثنان معًا جزءًا من مسار وطني يرى في المكان شريكًا في التنمية وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الحياة اليومية.
ومع اتساع هذا الدور وتزايد الأسئلة حول طبيعة التحوّل وسرعته وأثره برزت الحاجة إلى خطاب يوازي حجم التغيير ويمنحه وضوحًا ومعنى، و يشرح ما يجري من دون مبالغة، ويضعه في سياقه من دون ضجيج، وفي هذا الإطار يأتي تكليف الأستاذ محمد بن عبدالله الرساسمة متحدثًا رسميًا لوزارة البلديات والإسكان كخطوة منسجمة مع هذه المرحلة الاستثنائية، وتعكس في ذات الوقت وعيًا بأن الناطق الرسمي حين يُحسن اختياره يصبح جزءًا من البناء المؤسسي لا مجرد واجهة له.
وصل الرساسمة إلى هذا الموقع وهو يحمل تجربة مهنية تشكّلت عند تقاطع العمل الحكومي والقطاع الخاص، وتغذّت من تجربة سابقة في وزارة السياحة حيث تتقدّم الصورة العامة جنبًا إلى جنب مع التنظيم، وتُختبر الرسائل في قدرتها على بناء الثقة وصناعة الانطباع المستدام، ثم كانت قبل ذلك كله الخبرة في القطاع الخاص والتي أضافت بعدًا عمليًا يقوم على وضوح الرسالة وربط الخطاب بالنتيجة، وهو ما وضعه اليوم في موقعٍ حساسية الكلمة فيه ومعرفة وزنها عنوانه الأبرز؛ فبدون ذلك لا يمكن للرسالة أن تمسّ الناس حيث يعيشون، في أرجاء المملكة الممتدّة على الخارطة والقلوب حبًا ووفاءً.
ويبقى تكليف متحدث رسمي في هذا التوقيت وبهذه المقدرات المهنية المشهود لها انعكاسًا لإدراك مؤسسي بأن التحوّلات لا تكتمل من دون تواصل منظم يربط الوقائع بسياقها ويحوّل الأرقام إلى معانٍ قابلة للفهم، وفي المشهد الأوسع تبدو وزارة البلديات والإسكان وكأنها تمضي في مسار يضع كل موقع في مكانه الصحيح، وكل منصب في توقيته الطبيعي، وحين تستقيم المسارات يصبح الاحتفاء بالاسم احتفاءً بالمرحلة، وبالفكرة التي أعادت للمدينة صوتها وللسكن معناه، ووضعت لهذا المنصب تحديدًا رجله المناسب.