بقلم- المستشار سعود عقل
في الدول التي تُحترم فيها العدالة، لا يُقاس القانون بجمال صياغته ولا بعدد مواده، بل بقدرته على أن يُمارَس ويُنفَّذ ويُشعِر المواطن أن الحق ليس وعدًا مؤجّلًا.
بل ركناً من اركان الدولة، فقد شهدنا خادم الحرمين الشريفين حفظه بعد توليه مقاليد الحكم يتحدث بما نصه "لقد وضعت نصب عيني بالسعي المتواصل نحو التنمية الشاملة المتكاملة والمتوازنة في مناطق المملكة كافة، والعدالة لجميع المواطنين، وإتاحة المجال لهم لتحقيق تطلعاتهم وأمانيهم المشروعة في إطار نظم الدولة وإجراءاتها."
وفي سياق تطوير القضاء شهد عهد الملك سلمان إصلاحات كبيرة مثل منصة "ناجز" والتقاضي الإلكتروني)، الذي يُبرز التركيز على "عدالة بلا تأخير"، وسرعة الفصل في القضايا، وجودة الأحكام، وتعزيز الشفافية وسيادة القانون.
أمّا في بعض الدول التي تعاني من اضطرابات سياسية او قيادات دكتاتوريّة ، فكثيرًا ما يتحوّل القانون إلى نصٍ فاخرٍ يُزيّن الجرايد الرسمية، بينما الواقع يسير في اتجاهٍ معاكس، بلا رادع ولا محاسبة.
المفارقة الصارخة أنّ معظم القوانين وُضعت لمعالجة أزمات حقيقية: حماية المستهلك، صون الحقوق، تنظيم الإدارة، محاربة الفساد، وضمان العدالة الاجتماعية.
لكن هذه النصوص، على قوتها، تصطدم بجدارٍ صلب اسمه غياب الإرادة السياسية. فالقانون الذي لا تريده السلطة، يبقى معطّلًا مهما بلغ من الدقة والكمال.
ثمّة خللٌ أعمق من مجرّد الإهمال، يتمثّل في انتقائية التطبيق. يُفعَّل القانون حين يخدم مصلحة نافذة، ويُجمَّد حين يهدد امتيازًا أو يكشف فسادًا.
وهنا يفقد القانون صفته كقاعدة عامة ومجرّدة، ويتحوّل إلى أداة ضغط أو ورقة مساومة، ما يضرب جوهر العدالة ويهزّ ثقة الناس بالدولة.
ولا يمكن تجاهل دور ضعف المؤسسات الرقابية والقضائية، سواء بفعل التدخلات السياسية أو بنقص الإمكانات أو بتراكم الملفات دون حسم.
فالقانون بلا قضاء مستقل هو جسد بلا روح، ونص بلا ضمير. ومع غياب المحاسبة، يصبح خرق القانون ممارسة عادية، بل أحيانًا شرطًا للاستمرار.
إلى ذلك، يساهم التضخم التشريعي في تفريغ القوانين من فعاليتها. قوانين تُسنّ بلا مراسيم تطبيقية، أو تُناقض قوانين سابقة، أو تُترك غامضة عمدًا، فتُفتح الأبواب أمام التفسير المصلحي والتعطيل المقصود.
وهكذا، تتحوّل الدولة من حَكَم إلى متفرّج، ومن ضامن للحقوق إلى شاهدٍ صامت.
غير أنّ المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة وحدها.
فضعف الوعي القانوني لدى المواطنين، واستسلامهم لفكرة أن “القانون لا يحمي”، يكرّس هذا الواقع.
حين يتوقّف الناس عن المطالبة بحقوقهم، يصبح خرق القانون أسهل، وتصبح العدالة استثناءً لا قاعدة.
إنّ أخطر ما في القوانين غير المطبّقة ليس تعطيلها، بل تشويه فكرة القانون نفسها.
فحين يرى المواطن أن النص لا يحميه، يفقد الإيمان بالدولة، ويبحث عن بدائل خارج النظام: الواسطة، النفوذ، أو القوة. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.
القانون ليس حبرًا، بل عقدًا أخلاقيًا بين الدولة والمجتمع. وحين لا يُطبّق، لا تسقط مادة قانونية فحسب، بل تسقط هيبة الدولة، ويتآكل مفهوم العدالة، ويُفتح الباب على فوضى مقنّعة.