بقلم - أحمد صالح حلبي
وأنا أقلب صفحات الدواوين ، وأتنقل بين القصائد ، وأقف أمام بيت متأملا ، وآخر متألما ، وجدت نفسي جامدا أمام قصيدة " أتركيني لوحدتي واغترابي " للشاعر المكي حسن بن عبد الله القرشي ، والتي يقول في مطلعها :
أتركيني لوحدتي واغترابي
لعذابي.. إني ألفت عذابي
أتركيني.. ولا تبالي بدمعي
إن فيض الدموع أصفى شرابي
أتركيني.. ولا تقولي (كئيب)
خيرُ زادي توجُّعي واكتئابي
فتوقفت عن مواصلة القراءة ، وأخذت أبحث بين المراجع والسير ، عن هذا الشاعر الذي هز الوجدان واثار الاشجان ، فوجدته مكي الولادة والنشأة
" تلقى علومه الأولية بالكتاتيب فحفظ القرآن الكريم، ثم درس في مدرسة الفلاح، والمعهد العلمي السعودي في مكة المكرمة، ثم حصل على شهادة ليسانس الآداب، قسم التاريخ، مع مرتبة الشرف من كلية الآداب بجامعة الملك سعود " .
أما حياته العملية فكانت بدايتها في وزارة المالية، ثم العمل بالإذاعة السعودية ، وكانت أولى سنوات اغترابه حينما انتدب للدراسة الفنية الإذاعية في مصر ، ليعود بعد ذلك للعمل في وزارة المالية ، ثم انتقل للعمل في وزارة الخارجية بمرتبة سفير، وعمل سفيراً للمملكة في موريتانيا ثم السودان .
ولأنه مكي فقد وصف مسقط راسه ، بوصف مزج فيه الشوق والحنين، مصوراً إياه كوطن عزيز للمسلمين لا تُقاوم جاذبيته ، ويتغنى به الشعراء ، ويتمنى الكثيرون السير على ترابه الطاهر .
وفي شعره عن مسقط رأسه مكة المكرمة ، نراه يبرز تعلقه العاطفي بها ، بصورة جاذبة لا تُقاوم ، ويُشبه الشوق إليها والبعد عنها بالألم في حال الفراق .
أما وصف حسي ، فيبرز باهتمامه بتفاصيل المكان ، وحنين الذكريات ، وقبل هذا وذاك قدسية المكان باعتباره مكان عزيز على قلوب المسلمين ، وهذا ما يبرز في قصيدته " مكة " بقوله :
تفتَّق عن راحتيها الصباح
وشعشع في شفتيها القمر!
وأزهت بها الشمس فوق البطاح
وجن بها الليل حلو الصور
عزيزيَ هل يبلغَنَّ النشيد
رؤى (مكة) أو تحيط الفكر؟
وكما برع في وصف مكة المكرمة وجمالها ، برزت براعته الشعرية في وصف الطائفين حول الكعبة المشرفة في قصيدة " من وحي الكعبة " ، والتي يقول فيها :
برحاب البيت المقدس خفت
هتفات إلى العلي الكبير
كلهم لاجىء إليه شريد
أرقته لوافح التفكير
أي وحي يفيض ملء مرائيه
فيجلو غشاوة للضرير
والوصف الجميل لشعر حسن القرشي عن مكة المكرمة ، قال عنه الأستاذ / عبدالرحمن عربي المغربي في مقاله المنشور بجريدة المدينة في 2 ابريل 2017 تحت عنوان " الشاعر حسن القرشي " ، إذ قال المغربي : " إن ما دعاني للكتابة عن شاعر العذوبة الشعرية الشاعر القرشي هو وصفه الجميل في محبوبته مكة المكرمة، والتي لفتت انتباهي بصورها الجمالية الأنيقة، وأخذتني إلى فصول ذكرياتي التي عشتها في مكة الحبيبة.. وأترككم مع سطورها.
تفتق عن راحتيها الصباح
وشعشع في شفتيها القمر!
وأزهت بها الشمس فوق البطاح
وجنّ بها الليل حلو الصور "
أما عميد الأدب العربي طه حسين الشاعر فقد وصف حسن القرشي " بعبارات الثناء (خاصة في ديوانه "الأمس الضائع") .
وقالت عنه الشاعرة السورية غادة السمان : " القرشي الشاعر آتٍ من الصحراء، حاملًا إلينا البحر، لا السراب، آتٍ من مسقط رؤوس أجدادنا، ومسقط قلوبنا في الجزيرة العربية، القرشي ابن مكة المكرمة يتابع حمل المشعل العربي القديم المضيء " .
وخضع شعر القرشي للعديد من الدراسات النقدية ، ومنها دراسة الدكتور محمد رشدي حسن، وأحمد جدع ("شاعر من الحجاز")، والدكتور صلاح عدس ("حسن عبدالله القرشي حياته وأدبه").
وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الآخر 1425 هــ رحل الشاعر والدبلوماسي حسن عبدالله القرشي أحد أعمدة الشعر السعودي عن عمر يناهز الثانية والسبعين عاماً ، تاركا مجموعة من الدواوين التي بلغن ثمانية عشر ديوانًا تنوعت بين قصيدة التفعيلة والشعر العمودي ، منها ديوانه الأول " البسمات الملونة " الذي صدر في القاهرة عام 1366هـ/1947م ، وديوان "بحيرة العطش"، وديوان "ستائر المطر" الذي طُبع عام 1418هـ/1997م، و"الأمس الضائع"، و"النغم الأزرق"، و"ألحان منتحرة"، ومجموعات قصصية، ومجموعات مسرحية ، ودراسة أدبية بعنوان "فارس بني عبس"، كما أنهى كتابًا يحكي فيه تجربته الشعرية وأسماه "تجربتي الشعرية"، وكتب في مجال النقد بعنوان "نقد المرصاد"، إضافة إلى المقالات النقدية في مؤلفه "شوك وورد".
ومن مؤلفاته "أنات الساقية"، مجموعة قصصية صدرت عام 1376هـ/1956م، و"أنا والناس" صدرت عام 1385هـ/1965م، و"حب في الظلام" صدرت عام 1393هـ/1972م.
رحم الله الشاعر حسن عبد الله القرشي ، الذي رحل جسدا وبقي اسما بارزا في عالم الأدب العربي عامة والسعودي خاصة ، وجاءت جائزته التي أُطلقت عام 2013/2014 في الذكرى السنوية لرحيله ، معلنة عن مسابقة أدبية عربية مرموقة لتكريم إرثه ، ودعم الشعراء العرب من خلال دواوينهم الشعرية (عمودي أو تفعيلة).