بقلم - حنونه اعلوي
سأبقى، مهما توهّمت أنني قوية بمفردي، بحاجة إلى أبنائي.
ومهما تقدّم بي العمر وغادروا مراحل الطفولة والمراهقة، ومهما تكرّر على مسامعي أن رحيلهم عني قدر لا مفرّ منه، سأبقى أحبهم.
أحب قربهم، وأستمد من وجودهم معنى الحياة الذي لا يشيخ ولا يبهت.
أبنائي لم يكونوا يومًا تفاصيل عابرة في أيامي، بل كانوا الأيام نفسها.
هم الذين جعلوني أضحك وأفرح، أحزن وأبكي، أقلق وأطمئن.
هم الذين غمروني بالعناق حين ضاقت بي الدنيا، وشاهدوني في ضعفي كما في قوتي، في أملي كما في يأسي.
كانوا شهودي على تقلّبات الروح، وسبب ثباتي في أشد الأزمات.
من أجلهم أعمل، ولأجلهم أدّخر وأخطّط.
تغيّر شكل المستقبل في عيني منذ أن جاؤوا؛ لم يعد حلمي شأنًا شخصيًا بقدر ما صار سعيًا لتحقيق أحلامهم، ولم تعد رغباتي منفصلة عن رغباتهم.
أحب ما يحبون، وأنفر مما ينفرون، لا لأنني فقدت ذاتي، بل لأنهم صاروا جزءًا أصيلًا منها، وجوهرًا لا ينفصل عن القلب.
كثيرًا ما يستفزون أعصابي، وكثيرًا ما يجلبون إلى أيامي رياحًا عاتية لا يُغلق لها باب.
فأصبر… أنتظر حتى تهدأ العاصفة، ثم أُحكم إغلاق الباب وأبتسم.
أدرك أن التعب جزء من الرحلة، وأن الضجيج ليس إلا وجهًا آخر للحياة حين تكون ممتلئة بالحياة والحب.
في النهاية، هم أكبر نعمة منحني الله إياها.
بوجودهم صرت شجرة مثمرة، أتباهى بطعم كل ثمرة ولونها، وأؤمن أن العطاء الحقيقي لا ينضب.
بفضلهم صرت أمًا تعمل بصمت، وتعطي بسعادة، وتعرف أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذا العالم هو أثره في قلوب من يحب.
أبنائي ليسوا فقط أبنائي… هم خيرة أصدقائي، وسندي الخفي، وقلبي الذي يمشي خارج صدري.
هم أغلى من روحي، وأقرب من نبضي.
اللهم لا تحرمني وجودهم، ولا تحرمني نعمة أن أبقى لهم أمًّا ما حييت.