الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       71995

بقلم -الكاتبة الجزائرية مريم عرجون

أعلم أن أحوال الناس في اجتماعهم لا تثبت على حال، ولا تستقيم على وتيرة واحدة، بل تتبدّل بتبدّل ما يعرض للعمران من قوةٍ وضعف، وعدلٍ وجور، واستقامةٍ وفساد. فإذا اختلّ سلطان القيم التي تضبط المعاني، واضطربت الموازين التي تُقاس بها الأفعال، مال الناس إلى ما يوافق أهواءهم، وقدّموا منافعهم العاجلة على ما يوجبه الحق والعدل، فتنبثق في الاجتماع خصال ليست من طبائع الخير، ولا من سنن الاستقامة، وإنما هي أعراض ظاهرة لخللٍ كامن في نظام العمران نفسه.

ومن هذه الخصال ما يُعرف في اصطلاح أهل العصر بالانتهازية، وهي وإن كانت في أصل معناها اللغوي اغتنامًا للفرص ومبادرةً إلى الفعل، فإنها إذا انفصلت عن موجب المروءة، وتجردت من وازع الأخلاق، انقلبت إلى داءٍ عام، يُفسد المعاملات، ويهدم الثقة بين الناس، ويُعجّل بانحلال العصبية، ويُنذر بفساد الأحوال واختلال المعايير. وحين تستحكم هذه الخصلة في النفوس، تُقلب القيم عن مواضعها، ويغدو النفع ميزان الحكم، والغاية مسوّغ الوسيلة، فلا يبقى للوفاء وزن، ولا للعدل سلطان.

لذلك كان النظر في الانتهازية واجبًا، لا من جهة الأفراد وحدهم، بل من حيث عللها في الاجتماع، وأسبابها في السياسة، وآثارها في أخلاق الناس وعمرانهم، إذ بها يُفهم سرّ التبدّل في أحوال الأمم، وتُدرَك مواقع نهوضها وسقوطها في مجرى التاريخ البشري.
الانتهازية، في أصل وضعها اللغوي، مأخوذة من مادة «نهز»، وهي تدل على المبادرة واغتنام الفرصة، غير أنّ هذا المعنى، وإن كان في ذاته محايدًا، ينقلب في الاجتماع الإنساني إلى دلالة مذمومة متى انفصل الفعل عن ضابط القيم، وصار الاغتنام غايةً في ذاته لا وسيلةً محكومة بالمروءة والعدل، فتصير الفرصة طريقًا لا للخير، والمصلحة مقياسًا لا للعدل، والغاية مرجعًا لا للصدق.
وفي الاصطلاح الاجتماعي والسياسي، تُستعمل الانتهازية للدلالة على سلوك يقوم على اقتناص الفرص واستثمارها لتحقيق منافع خاصة، دون التفات إلى مقتضيات الأخلاق أو مصالح الجماعة، وهو معنى لا يخرج عمّا أثبتته معاجم اللغة والموسوعات الفكرية في توصيف هذا النمط من السلوك، فتصبح المصلحة هي المعيار، والغاية هي المستهدف، والوسيلة لا تُحسب من وزن إلا بما تخدمه، والحقائق تُلوي وتُعوج بحسب ما تمليه الحاجة والمصلحة، ويصبح الوفاء خيانة، والصديق خصمًا، والعهد بلا معنى إلا لمن غلب.
وهذا المعنى من الانتهازية يلتقي، من حيث الجوهر، مع ما قرره نيكولا مكيافيلي في نظريته السياسية القائمة على تقديم الغاية على الوسيلة، غير أنّ ما كان عنده توصيفًا لواقع السلطة في زمن مخصوص، صار في المجتمعات الحديثة ممارسةً عامة وعابرة للثقافات والحضارات، وداءً مستفحلًا، يُفضي إلى اضطراب الموازين واختلال المعايير، فإذا سادت الانتهازية انقلبت القيم عن مواضعها، وصارت الفضائل رذائل، والرذائل فضائل؛ فيُحسب الكذب فطنة، والتعفف ضعفًا، والصدق سذاجة، والنصح حسدًا، والانضباط تعقيدًا، ويُتّهم الشرف ويُبرَّر الباطل، فلا الوفاء ينفع، ولا المروءة تنجح، ولا العدل يثبت.
وفي البعد الاجتماعي، لا تُعدّ الانتهازية مجرد خصلة فردية، بل هي ظاهرة عامة تنشأ في أحوال مخصوصة من التاريخ، حين تضعف العصبية الجامعة، وتخور الهيمنة الأخلاقية التي تضبط أفعال الناس، عندئذٍ يقدم الأفراد على تبنّي مواقف فكرية أو سياسية أو اجتماعية لا عن اعتقاد راسخ، بل طلبًا للمنفعة أو صونًا للمصلحة، سواء أكانت شخصية أم عائلية، ويكون الناس حينئذٍ كالريح في المكان، تتغير ولاءاتهم مع تبدل النفوس، وتُمحى حدود الحق من بين الأنام، فلا وفاء إلا لمن غلب، ولا عهد إلا لمن نفع، ولا صديق إلا من خدم مصلحته، ولا نصح إلا لمن عاقبه الزمن.
وتتسع رقعة هذه الآفة حيث تضعف المؤسسات وتغيب آليات الرقابة والمحاسبة الشفافة، وتتراجع مناهج التربية التي تعزز قيم المواطنة والإخلاص في العمل العام.
ولا يردع هذا الصنف وازع ديني، ولا سلطان قانوني، ولا حياء اجتماعي، إذ سرعان ما ينقلب على ما ادّعاه من أقوال، ويتبرأ مما أظهره من انتماء، إذا تعارض ذلك مع مصلحته، وله في بلوغ مقاصده وسائل مخصوصة، منها التملّق لأهل النفوذ، والصعود على أكتاف غيره، وبثّ الفرقة بين الناس، والطعن الخفي في الخصوم، ويكسو فعله لباس الضرورة، ويتذرع بمتطلبات المرحلة، بينما غايته الحقيقية المصلحة الذاتية، والطموح الفردي، والمنفعة العاجلة، فلا يستقيم له دين، ولا قانون، ولا عرف، إلا ما خدمه وحقق غايته.
وتشتدّ هذه الظاهرة وتظهر آثارها في أزمنة التحولات الكبرى، حين تضعف القيم الموروثة ولا تقوم بعدُ قيم جديدة مقامها، فيقع الخلط بين التراث الذي يجب حفظه، والعادات المتخلفة التي ينبغي تجاوزها، فتجد الانتهازية مجالًا رحبًا للانتشار، فتتحرر من القيود الأخلاقية، باسم الواقعية أو التجديد أو الضرورة التاريخية، لكنها في جوهرها لا تعين على النهوض، بل تُعجّل بالانحطاط، إذ تُفكك الثقة بين أفراد المجتمع، وتحوّل العمل العام من تعاون على الصالح المشترك إلى تنافس على المنافع، فلا يربح الناس سوى من غش، ولا يثبت فيهم شيء سوى الريبة والشك، وتبقى مقاومتها الحقة رهينة ببناء نظام قيمي متين يعيد للدين والأخلاق دورهما كحاجز ضميري جماعي، ويقترن ذلك بإصلاح مؤسسي يضمن العدالة ويحد من إفلات الانتهازيين من العقاب.
ومن دلائل رسوخ الانتهازية في المجتمع كثرتها في مواسم الانتخابات، حيث يظهر أصحابها كتجار أسواق، يطلبون المواقع والتزكيات، ولو كلّفهم ذلك بذل المال أو التنكر للمبادئ، وهي صورة مصغرة عن فساد أكبر حين تصبح السياسة مهنة للانتفاع لا وسيلة للإصلاح.
وقد أجمع أهل العلم بالسياسة والاجتماع أن الانتهازية تكثر في أزمنة ضعف الدول وفساد الأحوال، وتتسع رقعتها حيث يسود الظلم ويغيب العدل، حتى تصير خطرًا عظيمًا يهدد أخلاق الناس، واستقرارهم النفسي، وأمنهم العام، ومستقبل عمرانهم، ففساد القيم، كما قرره الحكماء، نذير فساد الدول، وإذا استحكم هذا الداء في أمة، لم يكن سقوطها في التاريخ إلا مسألة وقت، فحين تغيب المروءة وتذهب الأمانة، وتختل الموازين وتضعف العصبية، تنقلب الحياة على أهلها، وينتشر الفساد بينهم، وتغدو الأمم في حالة من الريبة والخوف، فيكون السقوط محتومًا والمصير مقررًا، فلا ينجو من الداء إلا من تحصّن بالعلم والعمل، والعدل والإخلاص، والوفاء والمروءة وسعى لبناء مجتمع تقوم فيه المؤسسات الرادعة، وتسود فيه ثقافة المساءلة، ويعود فيه الوازع الديني والأخلاقي ليكون سياجًا حاميًا للصالح العام.