بقلم -د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
ما أعجب هذه الحياة الدنيا! يظنها الناس بداية كل شيء، وهي في الحقيقة معبر، ويحسبون الموت نهاية، وهو للمؤمن ولادة جديدة، وبداية أفراح لا تنتهي.
ليست الرحلة الجميلة تلك التي نقطع فيها أرضًا أو نعبر بحارًا، بل الرحلة الأجمل هي الرحلة إلى الله، حين يترك المؤمن ضيق الدنيا إلى سعة الخلود، ويغادر دار التعب إلى دار السلام.
إنها رحلة موعودة، كتبها الله لأوليائه، تبدأ بابتسامة الملائكة، وتمضي في نعيم القبر، وتزدان في عرصات القيامة، وتُختم بدخول الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم.
رحلة كلها بشرى، وكل محطاتها طمأنينة، وكل نهاياتها فرح مقيم.
ساعة الوفاة… أول أبواب السرور
حين تحين ساعة الرحيل، لا يأتي الموت للمؤمن مخيفًا ولا فاجعًا، بل يأتيه لطيفًا رفيقًا، محمولًا على أجنحة الرحمة.
تنزل ملائكة عليهم السلام بيض الوجوه، مشرقة القسمات، كأنها أقمار أشرقت في غرفة الاحتضار، تبث في قلبه السكينة، وتهمس لروحه: لا خوف اليوم ولا حزن، أبشر بالجنة.
تخرج الروح بسهولة ويسر، كما تنحدر قطرة ماء صافية من فم السقاء، بلا ألم ولا وجع، بل بشوق وراحة.
وما إن تفارق الجسد حتى تُحمل في أكف الملائكة، تصعد بها في موكب تكريم، تفتح لها أبواب السماء بابًا بعد باب، ويقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، مرحبًا بالروح التي عرفت ربها وأحبته.
القبر… أول منازل النعيم
وما إن يوضع المؤمن في قبره، حتى يتحول هذا المكان الذي يهابه الناس إلى روضة خضراء، وبستان من بساتين الجنة.
يأتيه الملكان، فيثبته الله، فيجيب بثقة المؤمن الواثق: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
فينفرج له القبر، ويتسع مدّ البصر، ويفرش له من الجنة، ويفتح له باب يرى منه مقعده الأبدي، فتأتيه نسائم الجنة، وروائحها، وأنوارها.
لا وحشة، لا ظلمة، لا ضيق… بل أنس وراحة وانتظار جميل ليوم أعظم.
البعث… الخروج إلى الوعد الكبير
ثم يأتي اليوم الموعود، يوم تُنفخ الصور، فيبعث المؤمن في أحسن صورة، شابًا نضرًا، مشرق الوجه، قوي الجسد، لا مرض ولا ضعف ولا هرم.
يخرج من قبره وهو يعلم أن القادم أجمل، وأن ما عند الله خير وأبقى.
يسير مع المؤمنين إلى أرض المحشر، أرض بيضاء نقية، لا ظلم فيها ولا جور، أرض عدل ورحمة.
يُحشر المتقون وفدًا إلى الرحمن، في موكب شرف وكرامة، بينما يتلقى الله أولياءه برضوانه.
الكسوة والنور والظل
يُكسى المؤمن أجمل الثياب، سندسًا أخضر وإستبرقًا بديعًا، ويُحلّى بالأساور، وتُتوَّج رؤوسهم بالتيجان، وتشرق وجوههم بنور الإيمان.
يقفون في ظل العرش، آمنين مطمئنين، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يشربون من حوض نبيهم صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمؤون بعدها أبدًا، حسابهم يسير، وكتبهم بأيمانهم، وأعمالهم ترجح في الميزان، حتى الكلمة الطيبة والتسبيحة تجد لها وزنًا عظيمًا.
المرور إلى الجنة
يمرون على الصراط، كلٌّ على قدر عمله، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم من يمشي مشيًا كريمًا حتى يتجاوز.
ثم يقفون عند القنطرة، يتصافون، تتطهر القلوب، وتُمحى الأحقاد، فلا يدخل الجنة إلا قلب سليم.
لحظة الدخول… اكتمال الفرح
ثم تُفتح الأبواب الثمانية، وتستقبلهم الملائكة بابتسامة السلام:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين.
يلتقي المؤمن بأحبابه، بوالديه، بزوجته، بأولاده، بمن أحبهم في الله، يعرف داره كما كان يعرف بيته في الدنيا، بل أضعاف أضعاف.
قصور، أنهار، ثمار، نعيم متجدد لا يمل ولا ينقضي.
أعظم العطايا… النظر إلى وجه الله
ثم تأتي اللحظة التي تتضاءل عندها كل النعم: حين يكشف الحجاب، فينظر المؤمنون إلى ربهم، فينسون كل نعيم، لأن لذة النظر إلى وجه الله أعظم وأجل وأبقى.
هناك يدرك المؤمن أن كل صبر في الدنيا كان ربحًا، وكل طاعة كانت كنزًا.
الخاتمة… دعوة للقلب
هذه ليست قصة خيال، ولا أمنية بعيدة، بل وعد الله الحق.
رحلة جميلة تنتظر كل من صدق مع الله، وأقبل عليه، وعاش في الدنيا قلبه معلّق بالآخرة.
فاللهم اجعلنا من أهل هذه الرحلة، واكتب لنا حسن الخاتمة، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، واجمعنا في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
والحمد لله رب العالمين.