بقلم ـ حذامى محجوب
في وقت يتعرض فيه الاقتصاد العالمي لاضطرابات متسارعة، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج استثنائي في إدارة التحول الاقتصادي.
ليس لأن الأرقام جيدة فحسب، بل لأن الثقة الدولية أصبحت تُمنح للسياسة الاقتصادية قبل أن تُمنح للنتائج.
وحصول المملكة على تصنيف ائتماني A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة، ليس مجرّد إنجاز رقمي، بل هو تعبير واضح عن قدرة الاقتصاد السعودي على الاستمرار في النمو بثبات، وتجاوز تقلبات الأسواق العالمية، والاحتفاظ بقدرة عالية على الوفاء بالالتزامات المالية.
هذه الثقة الدولية تأتي متزامنة مع رفع صندوق النقد الدولي لتوقعاته لنمو الاقتصاد السعودي للمرة الثالثة خلال ستة أشهر، وهو مؤشر على أن الاقتصاد السعودي ليس في مرحلة “تحسن” مؤقت، بل في مرحلة تثبيت مسار.
إذ أن صندوق النقد لا يرفع تقديراته بشكل عشوائي، بل بناءً على بيانات واقعية وقراءات دقيقة لوتيرة الإنتاج والاستثمار والاستقرار المالي.
في هذا السياق، تبرز أهمية ما أعلن عنه وزير الاستثمار من تضاعف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو خمس مرات منذ إطلاق رؤية 2030. هذا الرقم ليس مجرد مؤشر على نجاح جاذبية الاستثمار، بل هو دليل على أن المملكة أصبحت بيئة استثمارية تنافسية على مستوى عالمي، وتتمتع بقوانين واضحة وإصلاحات تنظيمية تُسهل دخول المستثمرين، وتضمن لهم استقراراً في بيئة العمل، وتفتح لهم آفاقاً في قطاعات واعدة.
اللافت أن هذا التحول لا يقتصر على “تنويع مصادر الدخل” كفكرة، بل تحول إلى واقع ملموس، تمثل في ارتفاع مساهمة الناتج المحلي غير النفطي إلى أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي. وهو تحول يعكس حكمة القيادة السعودية في قراءة مستقبل الاقتصاد، قبل أن تتغير أسعار النفط أو تتبدل ظروف السوق.
فالعالم شهد تراجعاً في أسعار النفط مقارنة بمستويات 2022، لكن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على التكيّف، لأن أسس النمو لم تعد مرتبطة بالموارد فحسب، بل بالقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ومن هنا يأتي نجاح الرؤية في بناء اقتصاد أكثر شمولية، ليس فقط من خلال تعزيز القطاعات الجديدة، بل أيضاً عبر إشراك المجتمع في مسار التنمية.
فقد ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل، وانخفضت البطالة إلى مستويات تاريخية، بينما أصبح القطاع الخاص شريكاً فعلياً في التنمية، لا مجرد طرف ثانوي.
وهذا ما يضمن استدامة النمو، لأن الاقتصاد لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بمدى قدرته على تحسين جودة حياة المواطنين وفتح فرص حقيقية للمواهب والكفاءات.
اليوم، تتقدم المملكة نحو اقتصاد يعتمد على قطاعات استراتيجية متعددة: الصناعة، التعدين، السياحة، التقنيات الحديثة، علوم الفضاء، والابتكار.
وهذه القطاعات ليست مجرّد برامج، بل محركات تنموية حقيقية تسهم في تعزيز مكانة المملكة إقليمياً وعالمياً.
كما أن الإصلاحات التنظيمية المستمرة تؤكد أن الدولة لا تكتفي بخلق فرص النمو، بل تعمل على توفير بيئة تدعم المستثمرين والكفاءات، وتُسهم في تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للاستثمار والتقنية والابتكار.
إن حصول المملكة على تصنيف A+ ليس حدثاً عابراً، بل هو تأكيد دولي على أن الاقتصاد السعودي يسير في الطريق الصحيح، وأن رؤية 2030 ليست مشروعاً مرحلياً، بل مسار طويل الأمد لبناء اقتصاد قوي ومستدام.
وهذا ما يجعل المملكة اليوم أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعداداً لصناعة المستقبل، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى العالم.