الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يناير-٢٠٢٦       8140

القاهرة -النهار
أقيمت ندوات فكرية متعددة مصاحب لفعاليات مهرجان المسرحي العربي "16" القاهرة.

وهو ما يؤكد حرص هيئة المسرح العربية على ان تكون المنصات الفكرية تؤام حاضر مع العروض المسرحية لخلق صياغة جديدة لخلق نقد عربي حقيقي يوازي العروض المسرحية
وكانت الندوات في هذه الدورة تحت عنوان "نحو تأسيس علمي لمشروع المسرح العربي" في اطار سعي الهيئة العربية للمسرح الى ترسيخ خطاب نقدي عربي رصين يستند الى مرجعيات معرفية ومنهجية نابعة من خصوصية التجربة المسرحية العربية.
وكان المشرف على الندوة د. محمد سمير الخطيب من مصر، فيما كان د. يوسف عايدابي مسؤول المجال الفكري وبمشاركة مجموعة من كبار الأكاديميين والنقاد والباحثين المسرحيين من مختلف الدول العربية.
وافتتحت الجلسات بكلمة افتتاحية د. يوسف عايدابي تلقتها مداخلة د. احمد برقاوي بعنوان "مفتتح معرفي" تناول فيها الأسيس الفلسفية والمعرفية التي يمكن ان ينطق منها مشروع نقدي عربي معاصر.
كما قدم د. محمد سمير الخطيب عرضا حول نظام جلسات المؤتمر، موضحا محاور الندوة وآليات الاشتغال وأهدافها العلمية.
وتواصلت اعمال الندوة في جلستها الأولى بمداخلة د. محمد نوالي بعنوان "النقد المسرحي العربي في مفترق طرق المناهج والتجارب، اعقبها بحث احمد محمد علي السيد حول الخصوصية والاغتراب في قراءة المسرح العربي.
اما الجلسة الثانية فقد شهدت مشاركة د. زهور بن السيد بورقة بعنون "واقع النقد المسرحي العربي" ورهانات تطويره وترسيخ خصوصيته" فيما قدم الدكتورة علي كريم بحثا "اون لاين" تنول فيه الانتقال من التبعية الى الإبداع نحو بلورة هوية نقدية مسرحية عربية.
وتأتي  الندوات الفكرية  ضمن  مهرجان المسرح العربي  لتؤكد على الدور الكبير والمهم الذي يضطلع به المهرجان ليس فقط للعروض المسرحية بل كحالة فكرية ومعرفية تسعى الى صياغة الاعتبار للنقد المسرحي.

اليوم الثاني

شهد اليوم الثاني من الندوات نقاشات معمّقة اتسمت بالجدية والثراء، تمحورت حول إشكاليات النقد المسرحي العربي، وقضايا المصطلح، وأسئلة التأصيل النظري والمعرفي، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والنقاد العرب.
الندوات عكست حالة من الوعي المتزايد بضرورة مراجعة الخطاب النقدي السائد، وإعادة بناء أدواته ومفاهيمه بما يتلاءم مع خصوصية التجربة المسرحية العربية وتحولاتها الجمالية والفكرية.
وكانت مجمل الندوات تحاكي مثل الندوة الرابعة تعمل نحن معجم نقدي عربي موحد والخصوصية وأزمة المصطلح: أسئلة التأسيس.
مما يعني ان الندوات تطرح وتناقش بعمق وبحضور نقاد وأكاديميين على أعلى مستوى لتأسيس منهج قوي وحقيقي نحو مصطلح نقدي عربي في عالم المسرح العربي.
وصحيفة النهار تنشر الورقة الاكاديمية للناقد والأكاديمية الكبير 
احمد برقاوي: بعنوان "المسرح وأنطولوجيا الذات"
يمكن أن أعرف المسرح ظهور الفلسفة في زيها الجمالي الحواري بل قل ها نحن أمام المفاهيم والتصورات تلعب على خشبة المسرح.

فنحن في الفلسفة والمسرح والشعر أمام الظهور الحقيقي للأنا.الأنا الذي يعيش تراجيديا الخفاء والظهور صحيح بأن الوجود سابق على الماهية لكن الماهية هي تعين للوجود.

هكذا يتحول المسرح إلى منصة لحوار الماهيات وتعييناتها .

إن الماهيات بوصفها مفاهيم مجردة للحياة فإنها تظهر بكل تعبيراتها الواقعية في المسرح عبر الذوات. الذات الخيرة والذات الشريرة، الذات الحرة والذات العبدة، الذات المحبة والذات الكارهة، الذات المتمردة والذات الخانعة، الذات الشرهة والذات الزاهدة، الذات الموهوبة والذات العادية، الذات الأيديولوجية والذات المعرفية  الذات المتشائمة والذات المتفائلة، الذات المبالية والذات اللامبالية  الذات الجدية والذات العبثية الذات الخائفة والذات الشجاعة الذات الكاذبة ،الذات الصادقة ،الذات الذكية ،الذات الغبية الذات الحاكمة والذات المحكومة الذات القطيعية والذات الفردية الذات الوفية والذات الخائنة الذات المؤمنة والذات الملحدة ،الذات المغتربة والذات الراضية الذات الخرافية والذات الواقعية الذات القاتلة والذات المقتولة الذات العنفية والذات المتسامحة.

المسرح هنا ،وبهذا المعنى ،كتاب في أنطولوجيا الذات.انطولوجيا الذات الذي أمضيت سنتين في كتابته .

كل هذا يحول عين الجمهور وسمعه إلى إداتي قراءة والقراءة هذه فهم وتأويل.في الفهم والتأويل للنص الذي راح ينبض بالحياة تسري في عقل المتفرج روح النقد التي تشارك المسرح روح نقده.وروح أسئلته.

يحتل السؤال  مكانة رئيسة  في حياتنا اليومية والعلمية والفلسفية واللاهوتية كل ذلك من أجل غاية الفهم ،ولهذا سمت العرب أدوات السؤال بأدوات الإستفهام،وهي:الهمزة،أي،هل،ما ،من ،متى،ماذا،أين ،أنى،كيف،كم، أيان،وهناك من يضيف منذا.
وليس من الجديد القول بأن كل مجالات المعرفة البشرية من الأسطورة إلى المعرفة العلمية ليست سوى ثمرة السؤال.
وعندي بأن اول ولادة للسؤال  البشري قد تم بفضل ظواهر الطبيعة المدهشة،وجميع الأساطير ولدت من أجوبة البشر عن أسئلة الطبيعة.

وكل الآلهات والآلهة في الحضارات القديمة ولدت من التساؤل البشري عن السبب.
فآلهة الخصب وإله المطر والرعد والريح والموت والجمال  والفيضان الخ كلها آلهات ولدت من رحم السؤال عن الطبيعة.
فلو عدنا إلى أفلاطون وهوالأب لفلسفة الحوار التي تشع بروح المسرح فكل محاوراته عبارة عن سؤال ينجب عبر الحوار أسئلة وهكذا حتى يصل إلى الإجابة
 لا يصير الإنسان إنساناً إلا إذا سرت فيه روح السؤال، ولهذا فالذات التي امتلأت بالأجوبة واطمأنت إليها واكتفت بها ذات -شيء .والثقافة، بدورها، إذا تحولت إلى ثقافة أجوبة لن تتعرف على قيمة روح بوصفها امتحاناً معرفياً للمعروف وللواقع معاً.

فثقافة الأجوبة هي الثقافة الراكدة تاريخياً والعاكسة لمجتمع راكد، ثقافة مجتمع يعيش الاستبداد السياسي والأيديولوجي والقيمي والديني، مجتمع مناهض للذات، مجتمع يولّد ثقافة بلا فضاء، ومعادية للشك والبحث الدائم عن الجديد.

ثقافة الأجوبة هي ثقافة سيطرة النظام المتعالي على البشر والمتمثل بالبني.
المسرح يعيد للسؤال حضوره ،في وقت يتكاثر فيه أعداء السؤال من قبل حراس هياكل الجهل.
السؤال تمرد الوعي على المألوف والمعهود والمكرور والمعروف.
يعيش المبدع ، في أغلب الأحايين ، تناقضاً بينه وبين الوعي السائد ، بل ويعيش عمره متمرداً على النظام المتعالي الذي هو نظام آمر ، كالدين والتقاليد والسلطة السياسية . 
هذا النظام المتعالي يجعل من نفسة سلطة إكراه ، ولهذا فإن الإنزياح عنه يقود إلى نوع من التعرض للعقوبة المادية أو المعنوية أو لكلتاهما معاً .

وليس غريباً ، والحال هذه ، أن يكون الصراع بين العلم والفلسفة والأدب و الفن من جهة و النظام المتعالي من جهة أخري حالاً  دائمة . 
، أكثر أصناف الإبداع الأدبي مواجهة مع النظام المتعالي ، و إن المسرح بوصفه أفكاراً  ينطوي على النزعة النقدية التي تنال من السائد ، وتكشف عن المعنى وتطرح ما يجب أن يكون .

إنه التعبير الأدبي الأعلى عن الحياة المعيشة بكل أبعادها وصورها . 
قبل ألفين وخمس مئة سنة وقف سقراط ، في مسرحية أفلاطون المحاكمة  ، والذي سميت مسرحياته بالمحاورات ،  وقف أمام القضاة متهماً بالنيل من المعتقدات اليونانية .  
يعلن مليتوس  أمام هيئة المحكمة بأن سقراط لا يؤمن البتة بالآلهة  ،ويقسم بأن سقراط يؤمن بأن الشمس حجر وبأن القمر أرض .

" نعم قسما بزيوس يصرخ مليتوس : أنت لا تؤمن بوجود الإلهة على الإطلاق . 

بعد ألفين و وثلاثمئة وخمسين عاماً تقريباً على محاكمة سقراط سيكتب الأمريكيان جيروم لورانس و روبرت لي مسرحية " وارث الريح " .

وهي مسرحية مقتبسة من قصة واقعية حدثت في أحدى الولايات الأمريكية تدعى تنيسي ، حيث منع المجلس التشريعي لهذه الولاية تدريس نظرية داروين بقانون تشريعي عام 1925 . 
و المسرحية هي محاكمة للمعلم كيتس الذي خالف القانون وألقى درساً عن نظرية دارون . والذي يعتبر إفساداً للجيل . 
يسأل كيتس راشيل المدعية العامة : أما زلت تعتقدين بأني مخطئ يا راشيل ؟  
وتسأل راشيل : لماذا فعلت ذلك ؟ 
يجيب كيتس: أنت تعلمين لماذا فعلتُ ذلك ، لقد فتحت كتاب الأحياء الذي درسته في الجامعة ، الفصل السابع ،وقرأت لطلابي عن موضوع أصل الأنواع لداروين ، كل ما يقوله داروين في نظرية التطور هو إن الإنسان لم يكن هكذا منذ البدء ، وإن الحياة  ناتجة عن معجزة تطور طبيعي طويلة . 
راشيل تقاطع كيتس قائلة : ولكن هناك قانون يمنع تدريس نظرية دارون . يجيب كيتس : أعلم ذلك. 
وتؤكد راشيل قولها السابق : كل الناس يقولون إن ما ارتكبته إثماً كبيراً . 
المسرحية تريد أن تبرئ العلم من الثنائيات السائدة : الخير والشر والأبيض والأسود والنور والظلام كما قال كيتس . 
وإذا كان سقراط قد انتهى بشرب السم ، فإن المحكمة الأمريكية  قد انتهت إلى تبرئة  كيتس . لكن التبرئة لم تكن حكماً على صحة نظرية داروين من عدمها ، بل لقد تمت التبرئة بسبب فكرة الحرية .

وبالتالي فإن المسرحية أكدت جانب التناقض بين العلم والوعي العام . 
وبالمناسبة فإنه في عام 1924 يكتب أديب كويتي  يدعى عبد العزيز الرشيد وهو أديب و مؤرخ تنويري مسرحية بعنوان " المحاورة الإصلاحية " وقد مُثلت على مسرح مدرسة الأحمدية .

و بمعزل عن الجانب الفني البسيط لهذه المسرحية الرائدة ، لكنها طرحت في حينها التناقض بين الخطاب الديني والخطاب العلمي ، تماماً كما هو حال مضمون مسرحية " وارث الريح . 
يقول الشيخ : أليس من جملة ما يعلّم في هذه المدارس العصرية التاريخ والجغرافياواللغة الإنكليزية ، وهل ثمة ما هو مفسد للأذهان و مضلل للعقول اكثر من هذه العلوم ، ألم يقل علم الجغرافيا بحركية الأرض وبكرويتها ، وعدم ارتكازها على شيء ، ألم يقولوا بأن المطر بخار يتصاعد من الأرض ،ألم ينكروا وجود جبل " ق" المحيط بالدنيا ، .... إلى غير ذلك مما هو مخالف للشريعة الإسلامية . 
و في المسرحية إشارة الى العلاقة بين استمرار الأفكار المتناقضة مع العلم و مصالح شيوخ الدين  ، المصالح التي  تبقي هيمنتهم في المجتمع ، وآية ذلك إن سلطة العلم و المعرفة تحرر الفرد من أن يكون خاضعاً لسلطة لا هم لها سوى السيطرة على البلاد والعباد . 
ربما كانت مسرحية " محاكمة إيزيس " لليويس عِوَض واحدة من أهم النصوص المسرحية العربية الفلسفية - الفكرية ، إن لم تكن أهمها .

اننا لن نجد صعوبة في الربط بين عقائد الماضي السوري المصري العراقي قبل الميلاد وعقائد و ترسيمات المسيحية والإسلام ، و  تطرح المسرحية عقائد الحاضر وترسيماتها الدينية تأسيساً على أصولها الأنتروبولوجية القديمة و ردها إلى التاريخ القديم . 
في محاكمة إيزيس يضعنا لويس عِوَض وجهاً لوجه أمام الحقيقة الساطعة ، حقيقة الجذر الفرعوني والبابلي و الآشوري لما نعتقد به الآن  عبر مسرحية  شبه مباشرة وإن بدت رموزها أسماء تراثية . 
تُحاكم  إيزيس بتهمة جمع أشلاء زوجها لتعيده إلى الحياة ،وهي تحمل بين يديها ابناً لا أب له. 
في إيزيس نقع على تصورات الخلود والبعث والحمل بلا دنس والطفل الذي رمي في البحر داخل الصندوق  والصعود الى السماء و التثليث و الحج الخ .
و لقد تعرض لويس عوض لنقد شديد من قبل العقل التقليدي ، الذي اتهمه بالتجديف والنيل من الأديان . 
 وفي نص مسرحي ، لأحد أهم كتاب المسرح العربي - توفيق الحكيم - بعنوان "رحلة إلى الغد " ، نعثر على فكرة في غاية الأهمية ، أقصد فكرة الدفاع عن المستقبل والتغير والحياة . 
إن الطبيب و المهندس الذين حكما بالإعدام  ، وقبلا رحلة إلى الفضاء مغامرين بحياتهما التي هي بالأصل سيلفها العدم إعداماً قد نجيا من الموت وعاشا ثلاثمئة سنة  و تسع سنين في الفضاء ، وبفضل المهندس عادا إلى الأرض . 
عادا إلى الأرض فوجدا بأن كل شيء قد  تغير : أعمار الناس امتدت إلى ثلاثمئة سنة ، الكتب و المجلات تأتي بكبسة زر ،الشاي والقهوة تأتي إلى البيت ، لا أمراض ولا حروب ، وبقي حب الحياة وحب العمل على الأرض .

كما بقي الخوف من التعبير عن الرأي . 
وهنا يصرخ المهندس : إنه لشيء فظيع أن أعيش مع الماضي الحقير الذي أردت أن أنجو منه ، مستحيل أن نعيش لنستر الماضي الحقير الذي أردت الفرار منه كما تجتر البهائم العشب اليابس . 
كان يمكننا أن أعرض لمسرحية برشت" غاليليو ، ولكن لشدة شهرتها و ما كتب عنها و مباشرتها في التعبير عن الصراع بين العلم والوعي الديني التقليدي أقلعنا عن عرضها . 
و من الملاحظ بأن كل ما عرضنا من مسرحيات تتحدث عن الصراع بين العلم و الجديد من جهة والقديم  و التقليدي من جهة ثانية إنما أخذت صورة"  المحاكمة " . 
المحاكمة تعني قضاة ومحامين وعقوبات وسجن وإعدام و براءة الخ .

وهذ يؤكد الطبيعة الصراعية لأشكال الوعي ، الوعي العلمي والجديد والوعي ما فبل العلمي ، و هي عملية تاريخية طويلة ، وحالة قلما نجا منها مجتمع من المجتمعات ، فالمسرحيات  تجري قصصها في أوطان متعدة ، من اليونان ، الى أمريكا الى ايطاليا الى الخليج الى مصر . أتراه منطق الحياة ؟ أجل إن هو إلا منطق الحياة .     
 جدل السيد والعبد في مسرحية يوسف إدريس الفرافير مؤسسة على فكره هيجلية في فينومينولوجيا الروح بهذا العنوان.

الفرفور العبد هو الذي يجعل من السيد سيدا  والسيد بهذا المعنى هو عبد لدى العبد.