حسين السنونة – القاهرة - النهار
كان العرض التونسي «الهاربات» عملاً مسرحياً امتلك جميع مقومات النجاح، من إدارة إخراجية واعية، وقوة نص واضحة، وأداء متميز للممثلات على خشبة المسرح، إضافة إلى اللعب الذكي والمثير على فضاء المسرح، بما أضفى على العرض بعداً جمالياً ودهشة بصرية وحركية لافتة.
ولعلّها من المرات القليلة التي يلتقي فيها رأي لجنة التحكيم مع رأي النقاد وجمهور المسرح والإعلاميين، في إجماع واضح على أن العرض يستحق الجائزة بكل تقدير.
وعن أسباب واستحقاق فوز عرض «الهاربات» في مسابقة هيئة المسرح العربي ونيله جائزة الشيخ سلطان القاسمي، تحدث عدد من المسرحيين والنقاد، كلٌّ من زاويته ورؤيته.
يقول الناقد المسرحي كاظم نصار:«أعتقد أن عرض الهاربات هو نتاج عقل سيدة تهتم بقضايا المرأة ومشكلاتها، والطريقة التي قُدم بها العرض تجمع بين الألم والمتعة في آن واحد.
اعتمدت المخرجة على الفضاء الفارغ، لكنه كان ممتلئاً بالممثلات اللواتي كنّ في حالة عالية من الإبداع، رغم صعوبة اللهجة على بعض الحضور.
العرض يستحق الجائزة من حيث النسق النصي، وكذلك من حيث الإخراج والأداء.
هو عرض يغوص في مشكلات المرأة، سواء التونسية أو العربية، وهو عرض خصوصي تميّز في طرح هذه القضايا التي تتعرض لها المرأة».
ومن جانبه يقول الناقد د. مظفر الطيب:«أعتقد أن من الأسباب الرئيسية التي دفعت لجنة التحكيم في مهرجان المسرح العربي، في دورته السادسة عشرة المنعقدة في القاهرة، إلى منح مسرحية الهاربات التونسية جائزة الشيخ سلطان القاسمي، هو اعتماد المسرحية بشكل أساسي على المهارات الإبداعية لدى الممثل، فالمسرح في جوهره سلطة الممثل. وقد أدركت المخرجة طبوبي تماماً أن الرؤية الإخراجية إذا ما تماهت مع الأداء التمثيلي فإنها تؤدي إلى فعل مسرحي ساحر، فضلاً عن المادة النصية للمسرحية، وهي نص التائهات أقرب إلى الهاربات.
إن الوعي المتقدم لدى المخرجة في كيفية إدارة دفة العمل من قبل الممثلات، واستخدام المهارات التمثيلية لديهن، إضافة إلى الحماسة والروح العالية في الأداء، جعل العرض بمثابة نقلة نوعية في المسرح العربي.
واعتقادي أن الجائزة ذهبت لمن يستحق، وهذا ليس جديداً على المسرح التونسي.
وهذا الأمر لا يقلل أبداً من قيمة العروض المسرحية الأخرى، مثل العرض العراقي أو العرض اللبناني وغيرها، التي تركت بصمتها الواضحة في مهرجان المسرح العربي.
كل التقدير والاحترام لفرقة الهاربات، وللمخرجة، وفريق الممثلات، والسينوغرافيا، وجميع مفردات العرض.
فهذا العرض يمكن تقديمه في أي زمان ومكان، لأنه لم يعتمد فقط على اللغة المنطوقة، بل اعتمد على الإحساس والشعور والجانب الحركي، الذي كان له دور كبير في بنية العرض، فضلاً عن المهارات التمثيلية العالية».
وفي السياق نفسه يقول الناقد د. يوسف مصباح: «لربما فاز عرض الهاربات لأنه العرض الأكثر تمكناً، وفيه مساحات لعب متعددة، وأداء متطور للممثلات، كما أن التوليفة الأدائية كانت طاغية بشكل كبير، ما جعل العرض يرتقي إلى مستوى عالٍ من الجدية والفاعلية.
فالتمثيل حرفة، ولذلك تنجح تونس دائماً في إنتاج أعمال مسرحية بمواصفات عالمية.
لا مسرح بلا ممثل محترف يتقن عمله ويقدم الإضافة الفكرية والجمالية لمخرج العرض، وكما في كل مرة، يثبت المسرح التونسي أن مخرجيه يتمتعون بفلسفة إبداعية فريدة».
ومن جانبه يقول الممثل المسرحي علي عليان: «لجان التحكيم لها رؤيتها الخاصة في اختيار العروض المميزة، وغالباً ما تجد نفسها في موقف صعب وغير محسود عليه عند المفاضلة بين الأعمال المشاركة.
والحقيقة أن الجائزة واحدة، وأنا متأكد أن لجنة التحكيم واجهت صعوبة كبيرة في اختيار عرض واحد من بين خمسة عشر عرضاً بوصفه أفضل عرض متكامل من وجهة نظرها.
وبالتالي، أعتقد أن هذه الجائزة جاءت في مكانها الصحيح، فالعرض كان من العروض المتميزة، إلى جانب عروض أخرى جديرة بالتقدير.
عرض الهاربات امتاز بالدقة والجمال والقدرة على التأثير وإحداث الأثر في المتلقي، وكان متمكناً من الجوانب الفكرية والصورة البصرية، إضافة إلى القدرة الإخراجية التي وضعت لمسات احترافية عالية، مع تجديد واضح في حركة الممثلين.
كل ذلك جعله متميزاً عن العروض الأخرى، ومستحقاً لجائزة الشيخ سلطان القاسمي. قرار لجنة التحكيم كان صحيحاً، مع الإقرار بأن العروض الأخرى أيضاً كانت تستحق جوائز، لكنها في النهاية وجهة نظر تحكيمية ولهم الحق فيها».
من جانبه قال الناقد د. عبدالسلام اقبيلات: لقد تميز العرض المسرحي التونسي " الهاربات " بنجاحه في العناية بوسيلتين مهمتين لاي عمل مسرحي عموما، وهما: الايقاع واللوحات الجمالية.
الايقاع يبني العلاقة مع الجمهور ويمد خيوط التأثير على المسرح في المساحة النفسية والعاطفية.
وهو يشتغل على نطاق اللاوعي عند المتفرج
واي خلل في الايقاع سيخلق خللا في التواصل مع الجمهور والتأثير فيه.
اما الصور الجمالية فلها القدرة على تحقيق الوظيفة الجمالية في العمل المسرحي وهي اما ان تكون جاذبة او منفرة.
لقد استغلت المخرجة وفاء طبوبي، بوعي وادراك، هاتين الوسيلتين اللتين وفرتا جوا مناسبا لباقي العناصر في المسرحية.
بالطبع تتميز الاعمال المسرحية التونسية في غالبيتها بأداء تمثيلي ناضج وتلقائي، وفي مسرحيه الهاربات جاء أداء الممثلين تأكيدا على هذه الميزة في المسرح التونسي..
ويختم قبيلات: ولابد ان اشير ان الاعمال المشاركة في الدورة السادسة عشر لمهرجان المسرح العربي في القاهرة، جاءت ضعيفة في عدد منها الى جانب اعمال اخرى وقعت في الرتابة او اعمال غيرها لم تتمكن من نسج الايقاع بالطريقة المطلوبة.
ولكن هناك مسرحيات في المهرجان، تفردت بنضوجها الفني وقدرتها على الاهتمام بالشروط الفنية بهذا القدر او ذاك عموما.