النهار - حسين السنونة - القاهرة
مساء الخميس هو اليوم الأخير للعروض المسرحية المشاركة في مهرجان المسرح العربي "16" المقام في القاهرة.
الجمهور المسرحي في كان على موعد مع العرض المصري "مرسل إلي" الساعة الخامسة مساءا على مسرح "السامر" العمل من تأليف طه زغلول وإخراج محمد فرج.
فكرة العمل تقوم على مآسي الحروب وجدواها العبثية ما ينتج من مشاكل وامراض ومأسي على الإنسان والأرض، من خلال قصة "أم" فقدت زوجها في الحرب ثم تقوم بجولة بحث متعبة مؤلمة عن ابنها أيضا الذي هو أحد ضحايا الحرب العبثية التي تنتج المشاكل والمآسي للبشرية.
في الندوة التطبيقية قدمت د. أميرة سيد وكيل ورقة نقدية عن العرض المصري "مرسل إلى" قالت الناقدة أميرة سيد الوكيل في ورقتها:
أن الفضاء المسرحي في عرض مرسل إلي يُخاطب الإنسانية عبر إلقاء الضوء علي ثلاث نقاط هامة:-
- الجانب الإنساني الخفي في الحرب
مُنذ البداية يُناقش العرض المصري "مرسل إلي" للكاتب طه زغلول والمخرج محمد فرج كواليس الحرب، ويُقدم جنودًا تحمل الأسلحة وهم في حالة توتر وتأهب للقتال، متناولًا المشاعر والانفعالات التي تكون مختبئة خلف زي الحرب، فالحرب بطبيعتها تكشف لنا ثنائية الغرائز الأنانية والمشاعر الاجتماعية، وتجعلنا عاجزين عن إدراك معني ما نشعر به من مشاعر وانفعالات، استنادا علي أن الحرب هي من أشد الأحداث تدميرا لكل ما له قيمة إنسانية، فلم يحدث أن ضلل شيء أذكي العقول بقدر ما تفعله الحرب، وهو ما يُمكن مُلاحظته في عرض "مرسل إلي"، فالفتاة "إلي" تكتب الجوابات لأبيها "أندريا" في ساحة المعركة تعجز في النهاية وتكتب مرسل إلي الله، فالحل الوحيد لإعادة الإنسانية المُفتقدة من خلال مخاطبة الرب ومراسلته حول عبثية الحياة، إذ يُقدم لنا المخرج بقايا حياة إنسانية والتي تجسدت عبر الحرب العالمية الأولي بين فرنسا وألمانيا، فهم لا يعلمون ماذا يحاربون ولماذا لمجرد أن ثمة قوة كبرى هي من قررت ذلك بدون سبب مفهوم، وهنا أتحدث عن الجنود والعائلات لأنهم الأقدر علي إدراك التغيير والتضليل نتيجة الحرب، تلك الحرب التي قيدت النشاطات الإنسانية.
فالفتاة إيلين تحكي بقلق في جوابها أن المصنع توقف عن إنتاج القماش؛ وبدلًا من ذلك صار يصنع خوذة لا يخترقها الرصاص، كعلامة علي غياب الجانب الإنساني عن المشهد الاجتماعي، فالدول المتحضرة تعتبر معايير مثل ضبط النفس والتوقف عن الإشباع الغريزي هي معايير مقبولة وهي أساس وجودها، وتفرض العقوبات الصارمة علي كل من لا يلتزم بها، لذلك كان الأولي أن تكون هي الدولة البادئة باحترام هذه المعايير، هل يمكن اعتبار اختيار الحرب بين بلدتي فرنسا وألمانيا استنكار لتلك الدول التي تتبني مبادئ إنسانية وتدعو لها ولا تعمل بها، وبمجرد اندلاع الحرب تبددت الأوهام، ومزقت كل الروابط بين الشعوب، فالجنود يوجهون الأسلحة بشكل عشوائي، فالكل خاسر ويموت مجاني، لمجرد أن ثمة حدود وهمية، تلك الحدود التي أشعلت الحرب، وبدونها لكانت ترعرعت الإنسانية والحياة الاجتماعية.
فالحضارة لم تقم إلا عندما تخلينا عن رغباتنا في الإشباع الغريزي، وحولت المشاعر الأنانية في الإنسان إلي ميول واتجاهات اجتماعية، ليسمي هذا بالتكيف الثقافي والذي يُمكّن الإنسان من تغيير دوافعه الأنانية إلي دوافع اجتماعية، والحرب علي رأس القوي التي تفسد هذا التكيف؛ لكن ذلك لا يعني أن كل من يشارك في السلوك الهمجي في زمن الحرب قد فقد تكيفه الثقافي، مثلما حدث بين الجنديين هارفي وألبرت، اللذان وجدا أرض سلام رغم العداء، وكل إنسان متحضر لا يستطيع أن يتمني موت الآخرين، خاصة إذا كان موت الآخرين به بعض النفع له كأن يحصل علي الحرية، وأن ما صاب عقولنا من بلبلة؛ إنما يرجع إلي زعزعة الحرب لآرائنا الإنسانية، كأن الحرب جعلتنا نتعامل مع كل غريب عنا كأنه عدو ينبغي أن نقتله أو نتمنى قتله، وفي عرض "مرسل إلي" يتجلى لنا أطلال مباني، أطلال حياة، وفي ظل الحرب يختفي مفهوم العائلة، فالأب يبتعد عن ابنته التي تفتقده، والأم تفتقد ابنها الذي تطوع في الحرب وانطلق وراء الأوهام، وتفكك مفهوم الترابط الأسري وغابت الإنسانية بأبسط مفاهيمها، ورغم ذلك يبدأ الحوار تدريجيا بين جنديين ينتميان إلي جيشين متحاربين، بإذابة كافة الخلافات والأزمات والحدود الوهمية، فهما ضد العداء والحرب والقتل غير المبرر، ويجتمعا حول الإنسانية والسلام والذكريات والأحلام.
- الأنا ـ الآخر.. خطاب جدلي
ثمة تساؤل حول هل حضور الآخر مدعاة إلي الصراع والعنف، كما أشارت وجودية سارتر، بأن الجحيم هم الأخرين، أم هو علاقة قبول وحوار وتسامح مع الآخر للكشف عن الجانب الإنساني؟! الحقيقة أن ثمة ضرورة إلي تغيير نظرتنا إلي الآخر وفهم لذواتنا، فلم يعد من المقبول إقصاء الآخر أو دمجه في دائرة الآنا، فالأرض التي تجمع الجنود اللذين يتعاركون ضد بعضهما البعض هي أرض واحدة، وهذا في حد ذاته تفكيك لصورة العداء الوهمي في الحرب، وفي عرض "مرسل إلي" يمنع كل من القائدين الفرنسي والألماني التواصل الإنساني والترابط الاجتماعي بين الجنود وبعضهما، والتركيز علي القتل والعراك، بوصف الموت أمر سهل ومعتاد بين الجنود، كل منهما يريد التخلص من الآخر/ العدو وهو لا يعرف لماذا عليه قتل الآخر!.
وسبق للمنظر الروسي باختين أن حدد مبدأ الآخرية بقوله، إننا نحقق في النظر إلي أنفسنا، وإن الآخر ضروري لاستكمال فهمنا لذواتنا واكتشاف الآخر، والتي تستند علي أن الحياة ذات طابع حواري، وأننا نفهم ذاتنا عن طريق الاتصال بالآخرين، وهو ما يذكرنا بجملة نجيب محفوظ في قصته القصيرة "الظلام" حيث يقول .."يجيئون من أماكن مختلفة متباعدة ومتقاربة لا يدري أحد عن الآخر شيئا" فما أن يتم الحوار كما حدث بين الجنديين فتذوب مساحات العداء، رغم اختلاف لغة كل منهما ووجدا أرض محايدة لا يشوبها عراك حتي في ظل اختلاف اللغة والثقافة والجنسية.
ففي عرض "مرسل إلي" أثناء تأهب واستعداد الجنود تندمج وحركات جنود الفريقين ويذوبوا داخل بعضهم البعض، ولا نعلم أي الفريقين معًا، فيتحاربون بشكل فوضوي، وأكثر المتضررين هم العائلة، فالقائد يقتل القائد العامل والد الفتاة الصغيرة؛ لأن العامل يرفض القتل وإطاعة الأوامر فاعتبرها القائد نوع من الخيانة، وكذلك يُقتل الجندي ألبرت رغم محاولة زميله لمنعه، هنا يشعر الجندي هارفي بالتيه والتشتت وفقدان الثقة في كل شيء، لتتجلي حينها عبثية الحروب، وكلما اتجه هارفي نحو أحد الفريقين وقع قتيلا ويموتوا جميعا، فلا يوجد مكسب في الحرب، ليعبر المشهد عن غياب الإنسانية .
- تضافر دلالة المكان والإضاءة لخلق مشهد شبحي يخلو من الإنسانية
لقد حول المخرج الفضاء المسرحي إلي مجرد بقايا وأطلال، عبارة عن أربع بانوهات تمثل بقايا مباني تتحرك بشكل دائري، تتضافر وتتفكك مرة أخري، قطعة ديكور واحدة انقسمت إلي وحدتين متصارعتين، وموسيقي عسكرية تدعو للتأهب والاستعداد، فتظهر الصورة المسرحية كأنها فيديو أو صورة متحركة، ليؤكد علي فكرة أن في الأصل الشعوب واحدة، والأرض واحدة، فهذا الانقسام وهمي، اخترعته الحكومات لتخدع به الشعوب، فأصبحوا يتصارعون، وهذا ما اتضح عبر الإيماءة الجسدية للممثلين التي ظهرت في حالة من التوتر والتأهب، فمنذ اللحظة الأولي كانت الإضاءة تحمل دلالات جمالية بفضل مصمم الإضاءة عز حلمي، حيث سيطر علي الفضاء المسرحي إضاءة حمراء دموية كدلالة علي القتال، وأحيانًا تكون إضاءة زرقاء شاحبة كعلامة علي الموت، والأجمل أنه جعل الصورة المسرحية أشبه بصورة رمادية، وذلك استنادًا علي لون ملابسهم الشاحبة وتسليط عليهم سبوت إضاءة دائري، فجعل الجنود يتجلّوا كأنهم جثث تتحرك، كما تسيطر إضاءة صفراء شاحبة علي المشهد المسرحي، لتُشير إلي حالة الحزن التي طالت المشاعر بسبب أجواء الحرب.
رغم إني كنت أتمني أجواء الحرب المطروحة تكون بدون دلالة علي بلد بعينها، حتي يتبلور أكثر بعمق البُعد الإنساني المطروح، ويتحرر من حيز أيديولوجي، ويتماس بقوة أكبر مع المشهد العربي، خاصة وأن العرض قُدم باللغة العامية؛ إلا أن المخرج تمكن من صنع مزيجا وتضافرًا بين عناصر العرض المسرحي، فتشبع العرض بألوان الأزياء والإضاءة والديكور، التي تجلّت بدرجات شبحية ضبابية تُلائم مناخ المشهد المسرحي، وتُناسب دلالة الرؤية المطروحة، وذلك بجانب طبيعة حركة الممثلين علي خشبة المسرح، فصنع صورة جمالية في حالة انسجام، ولم يكن ليتم ذلك لولا طبيعة النص المكثفة للحدث الدرامي وتركيزها علي البُعد الإنساني، وكذلك الرؤية الإخراجية التي استقطبت كافة العناصر التي تساهم في بلورة الصورة المسرحية وطبيعتها.